آخر الأخبار

استبعاد النساء من عالم الكتابة طمس لتاريخهن.. رأي جزائري

عبير فؤاد الخميس، 30 يونيو 2022 11:35 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "تاريخ النساء الذي لم يكتب بعد.. دراسة حول الكتابة والجندر في الثقافة العربية"
المؤلف: فيروز رشام
الناشر دار فضاءات للنشر والتوزيع، 2021


لماذا لم يُكتب تاريخ النساء بعد؟ هذا سؤال استهلالي تبدأ به الباحثة والروائية الجزائرية فيروز رشام كتابها، وهو محوري أيضا إذ تنشغل بالإجابة عنه،على مدى نحو مئتي صفحة، بتحري كل الأسباب المحتملة لغياب هذا التاريخ. تفترض رشام ابتداء أن ثمة إجابتين لهذا السؤال، الأول هو أنه ليس لدى النساء تاريخ ليكتب لأنهن لم ينجزن شيئا مهما، ولم يخلفن إبداعات تستحق الذكر، وهو تفسير مستبعد، كما تقول. والثاني أن لدى النساء تاريخ لكن لم يدوّن، لأنهن كن بعيدات عن الكتابة، والرجال ركزوا على التأريخ لأنفسهم فأهملت إنجازاتهن وتم تجاوزها.

تشير رشام إلى إن معظم ثقافات العالم تأخرت في التأريخ لنسائها باعتبار أن أغلب المجتمعات الإنسانية يحكمها النظام الأبوي الذي فرض الهيمنة الذكورية منذ حوالي 3500 سنة بحسب ما ترجح المؤرخة "غيردا ليرنر"، ما يعني أن النساء متأخرات عن الرجال طيلة هذه القرون رغم أنهن فاعلات في التاريخ وساهمن في صناعته، لكن أبعدن عن معرفة تاريخهن وعن تأويل التاريخ سواء كان تاريخهن أو تاريخ الرجال، حيث تم إقصاء النساء على نحو ممنهج من مشروع إنشاء الأنظمة الرمزية والفلسفات والعلم والقانون. وتاريخ الكتابة في الثقافة العربية لم يكن مختلفا كثيرا عن ذلك، فهو تاريخ ذكوري بامتياز أرخ فيه الرجال للرجال ـ مع بعض الاستثناءات ـ واستبعدت المرأة كمشاركة في صناعة التاريخ سواء السياسي منه و الاجتماعي وحتى الأدبي والفني. 

تركز رشام في كتابها على تاريخ الكتابة النسائية في الثقافة العربيةعلى وجه التحديد، وليس التاريخ السياسي أو الاجتماعي للنساء، كما أنها تتجاوز الحديث عن التراث الشفوى رغم أهميته، بحسب ماتقول، لأنه يحتاج مجال بحث مختلف ودراسة مستقلة. وباعتبار أن جل ما كتبه الرجال عن النساء يندرج عموما ضمن مجالي الأدب والفقه، فقد ركزت عليهما لتقديم تصورهم للمرأة، خاصة وأن معظم ما كتبته النساء يندرج ضمن الأدب أيضا، وأن أصعب تحد واجهته في الكتابة هو الخوض في الفقه على قلة نصوصهن فيه. 

يتوزع الكتاب على أربعة فصول وكل فصل يتضمن ثلاثة مباحث. الفصل الأول بعنوان تاريخ المرأة والكتابة وتناقش فيه أسباب عدم كتابة تاريخ النساء حتى الآن. وكيفية تناول المرأة وقضاياها في دراسات الجندر وما يحيط بها من تخصصات قريبة مثل الدراسات النسوية، والدراسات الثقافية. وتبحث في أسباب تأخر النساء عن الكتابة لزمن طويل واحتمالية منعهن عن ذلك، وصورة المرأة كما تكرست في كتابات الرجال منذ بدء التدوين من خلال كتب الأدب والمعاجم القديمة. ثم تنتقل في الفصل الثاني لاستكشاف أسباب تفضيل النساء للكتابة في الأدب، وذلك انطلاقا من نصوص البدايات التي ظهرت مع الصحافة وتطورت لاحقا لإصدار الكتب في الشعر والسرد. 

وباعتبار أن جسد المرأة هو الجانب الذي ركزت عليه كتابات الرجال فإن المبحث الثاني من هذا الفصل يتناول صورة المرأة في كتب التراث العربي القديم مثل كتب النفزاوي والسيوطي وغيرهما، ثم صورة الجسد الأنثوي في كتابات النساء التي جاءت ردا على ما كتبه الرجال. وفي الفصل الثالث المعنون ب"فقه النساء كما كتبه الرجال" تحاول رشام فهم الدوافع والخلفيات التي جعلت الفقهاء "يعادون المرأة منذ فجر الإسلام" والتي تعود أساسا لأسباب ثقافية، بحسب ما تقول، حيث قيدوها داخل سجن مادي ومعنوي يعيق حركتها ويمنع مشاركتها في الحياة العامة من خلال تأثيم خروجها من منزلها. وتتوقف عند بعض القضايا الفقهية الشائعة في فتاوى وأحكام النساء، وتبين كيف أن أغلب الأحكام المتعلقة بالنساء في كتب الفقه إنما هي أحكام ذكورية أملتها الثقافة وليست أحكاما إلهية لأنها لم ترد في المصدر التشريعي الأول وهو القرآن الكريم ولا حتى في السنة النبوية.أما الفصل الأخير فيتناول أسباب تردد النساء في الكتابة عن الفقه وقلة نصوصهن فيه، مع العودة إلى اجتهاداتهن الفقهية في القرون الأولى وصولا إلى مساهماتهن الحديثة التي تندرج ضمن ما يسمى بالنسوية الإسلامية.

ذرائع ثقافية وفقهية

تلفت رشام إلى أن الدراسات المهتمة بتاريخ النساء في المجتمعات العربية والإسلامية تحقق ثلاثة أهداف، الأول رسم الصورة الكاملة غير المنقوصة لتاريخ الأمة عن طريق تضفير تاريخ المرأة مع التاريخ العام، والثاني دمج التاريخ الاجتماعي والثقافي مع التاريخ السياسي الرسمي، والثالث نقد الحداثة أو على الأقل إعادة النظر في فرضياتها على الأخص ما يتعلق بحياة النساء في المجتمعات الإسلامية. لكن مشروعا من هذا النوع يواجه عقبات أهمها ندرة النصوص المدونة، لذلك فإن اللجوء إلى ما انتجته النساء شفويا يعتبر مسألة أساسية في كتابة تاريخهن، ولا بد من إدماجه مع التراث المكتوب. وتنبه إلى أن التأريخ لبعض النساء لن يكون بالضرورة تأريخا لجميع النساء. فالمؤرخون ركزوا فقط على الشهيرات منهن مع أن التاريخ صنعته أكثر النساء المجهولات العاديات اللواتي يمثلن الأغلبية، لذلك فإن إعادة كتابة تاريخ النساء يستوجب العودة لحياتهن الخاصة بسلبياتها وايجابياتها. 

تقول رشام أن الكتب القديمة تشير إلى أسماء مئات النساء ذوات العلم، لكن بحثا بعنوان "المؤلفات من النساء ومؤلفاتهن في التاريخ الإسلامي" للباحث محمد خير رمضان يوسف، وجد أن مجموع النساءالمؤلفات في التاريخ الإسلامي منذ بداية عصر التأليف حتى نهاية 1200هجرية (أي نهاية القرن 19م) هو ست وثلاثون مؤلفة فقط، إذا استثنيت منهن الشارحات والحافظات والشاعرات لا يبقى منهن أحد. تفترض رشام أن النساء ربما منعن من الكتابة أو استبعدن عنها بشكل ما تحت ذرائع ثقافية أو فقهية أو غيرها..وتشير إلى نصوص وكتابات في الثقافة العربية بمثابة قوانين تمنع المرأة من الكتابة من بينها ما جاء في كتاب"صبح الأعشى" للقلقشندي، حين يورد في صفات الكتاب أن الذكورة صفة ضرورية لهم وأن النساء غير مستحبات في الكتابة. 

وتضيف :" هذا المنع لا يتوافق مع رسالة الإسلام التي جعلت العلم مفتاح كل شيء ولا مع القرآن الكريم الذي أمر بالقراءة في أول ما نزل... لقد جرى دائما تخويف النساء من الكتابة والضغط عليهن لتركها والابتعاد عنها سواء قديما أو حديثا". وبسبب استبعاد النساء عن الكتابة فقد نشأ الفقه الإسلامي منذ البدء بمنطق ذكوري، وجاء استجابة لرغبات الرجال وقتها، فالقرآن لا يضطهد النساء وإنما القراءة الذكورية شوهت مقاصد النص. يجمع الباحثون على أن أغلب الأحاديث المنسوبة للنبي عليه الصلاة والسلام، المعادية للمرأة والمهينة لها مزور وكاذب، والبعض منها أخرج عن سياقه وحرّف معناه، بحسب ما تذكر رشام التي تضيف أن فقه النساء الذي ألفه الرجال والذي يفترض أن يكون بمثابة معرفة جيدة بالنساء وفهم عميق لهن، ليس في الحقيقة سوى معلومات وتصورات مشوهة وبعيدة كل البعد عن الواقع، نبذهن معنويا واستبعادهن من المشاركة في جميع أشكال الفكر والعلم.

 

 

لا شك أن النساء قد شاركن إلى جانب الرجال في بناء العلوم الإسلامية خاصة في القرون الأولى للوحي، لكن أُبعدن تدريجيا عن المشاركة فيها لمجرد كونهن نساء وبدأ دورهن بالتراجع مع تراجع الحضارة الإسلامية، لذا لا يعرف المسلمون اليوم سوى بعض النساء من عصر النبوة، في حين يجهلون آلاف العالمات اللواتي برزن وهو ما يشكل فراغا كبيرا في ذاكرة الحضارة الإسلامية وتاريخها.

 


تذكر رشام أن كتب السير والتراجم اهتمت منذ وقت مبكر من التدوين بالتعريف ببعض النساء من الصحابيات اللواتي تم النقل الشفوي عنهن خصوصا في ما يتعلق بالحديث الشريف، ككتاب "الطبقات الكبير" لابن سعد. كما ذكرت أيضا مشاركتهن فس كتابات المحدّثين القدامى أمثال "ابن حجر العسقلاني في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة" الذي أورد مشاركة أزيد من خمسمائة امرأة، سيما النساء الصحابيات المبايعات خلال فترة الوحي في البناء السياسي للمدينة، وهو من القلائل الذين ألفوا كتابا عن حياة مائة وسبعين امرأة عالمة مشهورة في القرن الثامن الميلادي، كان معظمهمن من المتخصصات في علوم الحديث، وهو بنفسه تتلمذ على أيدي كثيرات منهن. 

ولا شك أن النساء قد شاركن إلى جانب الرجال في بناء العلوم الإسلامية خاصة في القرون الأولى للوحي، لكن أُبعدن تدريجيا عن المشاركة فيها لمجرد كونهن نساء وبدأ دورهن بالتراجع مع تراجع الحضارة الإسلامية، لذا لا يعرف المسلمون اليوم سوى بعض النساء من عصر النبوة، في حين يجهلون آلاف العالمات اللواتي برزن وهو ما يشكل فراغا كبيرا في ذاكرة الحضارة الإسلامية وتاريخها.

تحت عنوان "النسوية الإسلامية في مواجهة الذكورية" تشرح رشام أن النسوية الإسلامية ظهرت في بداية التسعينات من القرن الماضي، حيث نادت بعض النساء المسلمات من جنسيات مختلفة بتحديث الخطاب الديني بقراءة أنثوية للقران الكريم والحديث النبوي الشريف. وتبحث النسوية الإسلامية في عدة قضايا أهمها قضية النوع الاجتماعي، أو التشكيل الثقافي والاجتماعي للجنسين، حيث تدرس الفروق بين الرجل والمرأة من منظور اجتماعي ثقافيوليس من منظور بيولوجي ونفسي، باعتبار أن حقوق المرأة الشرعية والقانونية في الإسلام ثابتة لا يجادل بشأنها أحد، إنما المشكل يكمن في تنزيل هذه الأحكام الشرعية وآيات المساواة على أرض الواقع الذي يشهد مظالم وتجاهلا للحقوق التي كفلتها الشريعة الإسلامية للمرأة في التعليم والعمل وعمارة الأرض والولاية المشتركة. تضيف رشام أن النسويات الإسلاميات غير راضيات عن أداء الفقهاء في شؤون المرأة، إذ شتان بين ما ورد في الأصول من حقوق وما أقر به الشيوخ ورجال الدين. ويتفقن على أن القراءات الفقهية الذكورية هي التي أخرجت القرآن الكريم عن مقاصده الإنسانية النبيلة إلى مقاصد عدائية للمرأة. 

تختم رشام كتابها بالتأكيد على أن بحثها هذا حول خلفيات تأخر فعل الكتابة لدى النساء يطرح إشكاليات أكثر مما يجيب عنها، وبأن ولوج المرأة إلى عالم الكتابة هو إيذان بالبدء في التفكير عن نفسها بنفسها، بعدما كان الرجال يفكرون ويقررون مكانها كما لو كانت مخلوقا بلا عقل. لكنها تنبه أيضا إلى أن الكتابة ليست مسألة ذكورية أو أنثوية، والكتابة عن المرأة والدفاع عنها يجب ألا تكون مسألة نسوية حصرا. إن ما لم تستوعبه ثقافة الذكورة بعد أنه بتأخيرها النساء عن التقدم في الحياة تؤخر تقدم الرجال أيضا وبالتالي تقدم المجتمع بأكمله، بحسب رشام.

 

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا