آخر الأخبار

التباس مفهوم الفساد تلبيس على مداخل الإصلاح.. مفاهيم ملتبسة (6)

سيف الدين عبد الفتاح الثلاثاء، 14 يونيو 2022 10:52 م بتوقيت غرينتش

إن متوالية اختزال المفهوم بالجوانب المادية من مالية أو اقتصادية دون المعنوية والأخلاقية القيمية، غش سلوكي وتطفيف اجتماعي وقصور في تمثيل المفهوم؛ بين عيوب التنقيص والفهم الشامل للظاهرة والتمثيل الكامل لكافة جوانبها، وكشف وفضح ونقد ونقض مفاهيم الفساد والإفساد المسكونة بأساطير البشر من أصحاب المصالح الضيقة والأنانية في الفهم والتأويل والتبرير، وتتبع المفهوم في الاستعمال بين ادعاء الإصلاح واغتصاب التطبيق وتمرير الفساد وتزوير الآثار المترتبة عليه ومآلاته، وتمرير الفساد الكبير بإشاعة بيئة تسمح بالفساد الصغير والإفساد الخطير؛ والأحوال المقترنة بفساد الغلاء وغلاء الفساد والكوارث والأزمات والهرج والمجاعات، وتبرير الفقر والإفقار والرضا به تبرير في الخطاب لأحوال الفساد والإفساد، وتبرير لأحوال من ضيق وضنك المعاش في خطاب زائف يسوغ كل ذلك ويمرره؛ رغم أن هذا الخطاب حول الفساد وسياسات الإفساد ينسف جوهر معاني الأمن الإنساني التي تتلخص في الآية القرآنية "أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".

والارتباط بين الفساد والاستبداد وثيق، فرغم أنه قد يكون هناك بعض الفساد في عدم وجود الاستبداد، لكن من اليقين أن الفساد يلازم حتما أحوال ومواطن ومسلك الاستبداد، وأن أي مواجهة لأحوال الفساد والاستبداد لا بد أن يكون ضمن رؤية استراتيجية شاملة ضمن موازين التدافع في معركة تمكين الإصلاح ومكافحة الفساد، ومن جملة الفطنة للأبواب الخفية لمسالك الاستبداد الطغيانية؛ حينما تكون ادعاءاتها المتكررة والزائفة حول مكافحة الفساد ليست إلا نوعا من الفساد والإفساد، فيكون الأمر تصفية حسابات بين مكونات العصابة المستبدة ولصوص الفساد المتغلبة.

فالإدانة اللغوية والقرآنية والنبوية لمادة الفساد مطلقة وشاملة، لا تسويغ لفساد وإن قل، ولا تقليل من شأن إصلاح وإن دل، ولا تحقير لمعروف للخروج من الأزمة إلى الحل، وأحب الأعمال أدومها وأرسخها وإن قل.

ليس هناك أفضل من ابن خلدون في نظريته الثاقبة ورؤيته الشاملة ومنهج نظره في السننية الشرطية الحاكمة؛ إذ جعل عددا من الظواهر دالة في الفساد مثل: كثرة الجباية، وزيادة معدلات البطالة، والقصور في قيام الدولة بوظائفها الخمس (حفظ الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال) على أساس أنها وظائف أساسية لمعاش الأفراد، والاعتداء على الناس في أموالهم ودمائهم وأسرارهم، وظاهرة الهَرج، وزيادة الفقر والترف (إسراف هنا وتقتير هناك).. "بئر معطلة وقصر مشيد".

بلغة حاسمة جامعة مانعة يؤكد ابن خلدون في مقدمته النفيسة: ".. اعلم أنه قد تبين بما تقدم أن الحال في فساد الأمور إنما هو سوء التدبير لا غلاء الأسعار..". ابن خلدون يقدم رؤية شبكية للفساد، لا يمكن بأي حال فصل الفساد عن محاضنه وأسبابه والشروط المعنوية والأخلاقية التي تمكن له، فضلا عن بنية الاستبداد التي تكون مرتعا خصبا لعمليات الفساد والإفساد.

ومن هنا فإن ابن خلدون ذكر عناصر خمسة غاية في الأهمية، تشكل في واقع الأمر كشفا للغطاء عن الحالة الاستبدادية التي جعلت من الجباية أحدى أهم استراتيجياتها في إرساء حالة الإفقار والتجويع؛ والتخويف والترويع وتصنيع عقلية القطيع.

هذه حال الجباية التي نشهدها في النظم المستبدة، برفع الأسعار وإلغاء الدعم وفرض الضرائب والرسوم والدمغات في تفنن عجيب.. تحكم دوائر الظلم والفساد وظلم الفقراء لتمويل ترف الأغنياء، وتمويل حامية السلطة ورشوتها. إن زيادة البطالة تعبر عن حالة فساد عميقة في الاجتماع والعمران، ومن جملة ما يشير إليه ابن خلدون في حالة تعبر عن وعيه بضرورة القياس في هذا الشأن.

وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب، فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك، لذهابه بالآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها. وإن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته، ومن هنا وجب البحث في صور العمران وصور الفساد التي تطرأ عليه لأنها كما يقول ابن خلدون "صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة".

ويركب ابن خلدون هذا المفهوم حينما يعيد تعريف الظلم وما يترتب عليه من فساد؛ من أنه هو أخذ المال أو الملك من يدي أهله من غير عوض ولا سبب كما هو المشهود، بل الظلم أعم من ذلك، "فكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه.. فجباة الأموال بغير حقها ظلمة، والمعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، وغصَّاب الأملاك على العموم ظلمة، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله".

ويستكمل ابن خلدون مقياسه المركب لحالة الظلم والعدوان والاستبداد المفضية إلى الفساد؛ بالحديث عن أصول العمران في سياق يستدعي فيه مقياسا يتعلق بالمقاصد الكلية العامة للشريعة من حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، بحيث يجمع إلى المقياس الأول ميزان المصالح وميزان الأضرار: "واعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم، وهو ما ثبت عنه من فساد العمران وخرابه، وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري؛ وهي الحكمة العامة المراعاة للشرع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة، من حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، فلما كان الظلم -كما رأيت- مؤذنا بانقطاع النوع لما أدى إليه من تخريب العمران كانت حكمة الحظر فيه موجودة فكان تحريمه مهما".

ذلك أن الظلم لا يقدر عليه إلا من لا يُقدر عليه؛ لأنه إنما يقع من أهل القدرة والسلطان.. إنما تعني بقدرة الظالم اليد المبسوطة التي لا تعارضها قدرة فهي المؤذنة بالخراب.. ومن أشد الظلمات وأعظمها في فساد العمران تكليف الأعمال وتخسير الرعايا بغير حق.. فإذا كلفوا العمل في غير شأنهم واتخذوا سخريا في معاشهم بطل كسبهم واغتصبوا قيمة عملهم ذلك وهو متمولهم، فدخل عليهم الضرر وذهب لهم حظ كبير من معاشهم، بل ذهب معاشهم بالجملة، وإن تكرر ذلك أفسد آمالهم في العمارة وفقدوا من السعي فيها جملة، فأدى ذلك إلى انتفاض العمران وتخريبه.

وكذلك من الفساد الذي يطرأ على هذا الأمر هو الفساد في تقدير حقوق الإنسان الأساسية والتأسيسية فيقول: "هذا ما كان بأمثال هذه الذرائع والأسباب إلى أخذ الأموال. وأما أخذها مجانا والعدوان على الناس في أموالهم وحرمهم ودمائهم وأسرارهم وأغراضهم. فهو يفضي إلى الخلل والفساد دفعة وتنتقض الدولة سريعا لما ينشأ عنه من الهرج المفضي إلى الانتقاض، وانتقاض العمران بالهرج أو بطلان المعاش".. "واعلم أن الداعي لذلك كله إنما هو حاجة الدولة والسلطان إلى الإكثار من المال بما يعرض لهم من الترف في الأحوال، فتكثر نفقاتهم ويعظم الخرج ولا يفي به الدخل على القوانين المعتادة، فيستحدثون ألقابا ووجوها يوسعون بها الجباية ليفي لهم الدخل بالخرج، ثم لا يزال الترف يزيد والخروج بسببه يزيد بكثير.. الحاجة إلى أموال الناس تشتد، ونطاق الدولة بذلك يزيد إلى أن تنمحى دائراتها ويذهب رسمها ويغلبها طالبها".

إنه الدرس الذي نتعلمه من تلك الرؤية الخلدونية لعلم المفاهيم والسنن لما نشهده من ترابط بين عناصر شبكة الفساد والإفساد، ونقض عُرى العمران بسبب الظلم وطبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، وتمكين بيئة كل ظلم وقابليات فساد وإفساد؛ وخراب البلاد والعباد.

وضمن هذه الشبكة التي تربط بين الاستبداد والفساد وحال الفسق في الأخلاق وأحوال الجباية والبطالة والترف؛ يكون هذا المقياس المركب والشامل للفساد في أحواله ومظاهره ومسالكه وآثاره ومآلاته وعناصره ومجالاته والإفساد الناتج عن كل ذلك بالجملة؛ في اتساع مساحاته وانتشار ساحاته وتراكم اختلالاته، والإيذان بخراب الإنسان والبنيان والكيان وبالجملة انهيار أركان العمران.. هذه الشبكة الكاشفة لالتباسات الفساد والفاضحة لتلبيسات الإفساد؛ في محاولة لإقصاء كل متطلبات الإصلاح من استراتيجيات وسياسات وتدبير شأن الأدوات والأداء والآليات. فالتصور الصحيح المكين للمفهوم العدو؛ أول الطريق لتمكين المفهوم المقاوم ووضعه في المقام الأمين في تصور الوعي الرشيد والسعي السديد لاستئناف النهوض وتشييد أسس التجديد لبناء وهندسة العمران.

 

twitter.com/Saif_abdelfatah

أخبار ذات صلة

الجدارة والعسكرة.. مفاهيم ملتبسة (11) 7/20/2022 1:18:20 AM بتوقيت غرينتش
أضف تعليقاً

اقرأ ايضا

الجدارة والعسكرة.. مفاهيم ملتبسة (11) 7/20/2022 1:18:20 AM بتوقيت غرينتش
الحوار وطنياً!.. مفاهيم ملتبسة (9) 7/5/2022 11:40:00 PM بتوقيت غرينتش
حوار أم خوار.. مفاهيم ملتبسة (8) 6/28/2022 10:34:33 PM بتوقيت غرينتش
احتكار الوطنية.. مفاهيم ملتبسة (7) 6/21/2022 11:30:00 PM بتوقيت غرينتش