آخر الأخبار

نقد تجارب الحركات القومية العربية السياسية والأيديولوجية (2من2)

توفيق المديني السبت، 11 يونيو 2022 10:09 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: "وردة في صليب الحاضر ـ نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديموقراطية"
الكاتب: جاد الكريم الجباعي
الناشرون: دار الفرات للنشر والتوزيع- بيروت، ودار بترا للنشر والتوزيع- دمشق، الطبعة الأولى نهاية عام 2018



تسليط سلاح النقد للفكر القومي 


لقد أصبح الباحث جاد يؤكد على ضرورة الانطلاق من الدول الوطنية الحديثة: الدولة السورية، والدولة اللبنانية، والدولة العراقية، والدولة المصرية، بوصفها أمماً حديثة قيد التشكل، وإعادة التفكير في المسألة القومية بوجه عام، وفي مفهوم الأمة العربية بوجه خاص، بدلالة الدولة الأمة أو الدولة الوطنية.

إن مثل هذا الطرح يتناقض كليا مع طرح حزب العمال الثوري الذي دأب على الدفاع عن المشروع القومي الديموقراطي بوصفه قضية الوجود العربي ونمائه، وقضية الصراع مع الإمبريالية، في عصر يناهض الإمبريالية، والصهيونية، والأنظمة الشمولية. وهو مشروع الفئات والطبقات الكادحة والمستغلة، لا مشروع السلطات الحاكمة والفئات الكمبرادورية.

فالمشروع القومي العربي الديمقراطي، هو حركة جماع الأمة في نزوعها إلى التحرر والديمقراطية. وهو التاريخ المعوق بالضغوط الاستعمارية والامبريالية ولاسيما الأمريكية منها، وبالاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي. وهذا ما يجعل منه بؤرة أساسية من بؤر الصراع العالمي ويجعل مستقبل النظام العالمي ونسق العلاقات الدولية مرتبطين بوتائر نموه واتجاهات تطوره، بقدر ارتباطه بهما.

المشروع القومي الديمقراطي هو الحركة التي يتعين بها موقع الأمة العربية في التاريخ وفي العالم، والتي يعاد فيها إنتاج الوجود الاجتماعي ـ السياسي للأمة وتتحدد هويتها القومية بما هي هوية النمو والتغير، هوية التعدد والاختلاف والتعارض. والحركة كما هو معلوم حركة مد وجزر، تقدم وتراجع، والتاريخ ليس تقدماً أو تراجعاً على خط مستقيم، ففيه انتصارات وهزائم وانكسارات وانقطاعات وقفزات أو ظفرات. وما نحن فيه اليوم ليس نهاية التاريخ لا على الصعيد الوطني/ القومي ولا على الصعيد العالمي. المشروع القومي العربي لا يختزل إلى اتجاه واحد من الاتجاهات الفكرية والإيديولوجية والسياسية المختلفة التي تتجابه وتتقاطع في المجال الثقافي للأمة ثم في المجال السياسي. فهو لا ينحل في الأحزاب التي تتبنى إيديولوجية قومية أو مذهباً قومياً. والمؤسف أن الوعي السائد عندنا يساوي بين المشروع القومي والأحزاب القومية، لاسيما تلك التي وصلت إلى سدة الحكم.

لذلك ينظر غير القوميين إلى الهزيمة التي منيت بها الأمة على أنها هزيمة هذا الاتجاه القومي فقط وليست هزيمة للأمة كلها. هؤلاء الذين يتعارض بل يتناقض وعيهم الذاتي مع واقعهم الموضوعي، سواء أكانوا شيوعيين أم إسلاميين يصنعون أنفسهم، ذاتياً بالطبع، خارج نطاق المشروع القومي والحركة القومية ويعارضون مفهوم الأمة العربية بالأمة الإسلامية أو بالأممية البروليتارية. لقد آن لنا أن نعي أن المشروع القومي الديمقراطي يضم جميع الاتجاهات والتيارات والقوى والأحزاب السياسية على اختلاف مرجعياتها الإيديولوجية وانتماءاتها الاجتماعية والفكرية..

من هنا يرى الباحث جاد من الضروري تسليط سلاح النقد للفكر القومي على اختلاف تياراته وتلاوينه، من أجل إعادة تأسيس العقلانية في الفكر القومي المعاصر، ونقل الوعي العربي، من وهدة التأخر والفوات إلـى مستوى العصر الحديث، ومن حالة الشقاء والاستلاب إلـى المطابقة، مطابقة الواقع بأبعاده الثلاثة، التاريخي، والكوني، والمنطقي .

أولاً- مسألة المنهج 

إنَّ الحركات القومية اتبعت منهجاً ذاتوياً وغير واقعي، لم يأخذ بعين الاعتبار الإرث التاريخي، وكانت تنقصه الرؤية الواضحة لعالم اليوم في سياق احترام حقوق الإنسان، ومصائره، وتاريخه .فالحركات القومية في العالم العربي ، إما أنها إنشدت إلـى الماضي، أو هربت إلـى الأمام، ولذلك هيمن عليها الفكر القومي التقليدي والرومانسي(البعثي و الناصري)، الذي ظل يخلط دائماً بين الهوية والأصل، علماً بأن الأصل والهوية شيئان مختلفان وليس شيئا واحداً. فالشد إلـى الأصل كما يقول المرحوم إلياس مرقص ليس إلغاء للوجود، بل هو إلغاء للأمة : لأن مفهوم الأصل يحيل على العرق والشعب العريق، وعلى اللغة، وعلى الجوهر الثابت المتعالي على التاريخ، أو الوجود الماهوي، والرسالة الخالدة، وينتج وعياً ذاتياً منشداً نحو الماضي، ونحو التراث والثقافة التقليدية، وأوهاماً شتى حول العلاقة بين القومية والدين.

 

المشروع القومي العربي الديمقراطي، هو حركة جماع الأمة في نزوعها إلى التحرر والديمقراطية. وهو التاريخ المعوق بالضغوط الاستعمارية والامبريالية ولاسيما الأمريكية منها، وبالاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي. وهذا ما يجعل منه بؤرة أساسية من بؤر الصراع العالمي ويجعل مستقبل النظام العالمي ونسق العلاقات الدولية مرتبطين بوتائر نموه واتجاهات تطوره، بقدر ارتباطه بهما.

 



وعلى الرغم من أن العلاقة العضوية بين العروبة والإسلام تشكل عنصراً أساسياً للهوية القومية، التي تميز المغرب العربي عن المشرق العربي، حيث يستحيل العثور على وعي قومي عروبي بدون الرجوع للإسلام، إلا أن الخطاب السياسي و الإيديولوجي للحركات القومية في منطقة المغرب العربي لم تستطع أن تقيم تمييزاً واضحاً، وفرزاً بين مفهوم القومية الذي يتضمن الشعور بالانتماء إلـى الأمة وينتمي إلـى دائرة الذاتي، حيث أن الشعور بالانتماء القومي هو محصلة سيرورة تاريخية هي سيرورة تكون الأمة أو تشكلها، تسنده ولا شك وحدة اللغة والثقافة والتجربة التاريخية المشتركة، وهو أحد العوامل الجاذبة في السيرورة الوحدوية ـ حسب ياسين الحافظ، وبين مفهوم الأمة ـ كمقولة اجتماعية وسياسية وثقافية وتاريخية، تنتمي إلـى دائرة الموضوعي ـ يتجسد عيانياً وواقعياً في المجتمع المدني ودولة الحق والقانون، اللذين تتحقق فيهما الهوية القومية القائمة على قاعدة التعدد، والاختلاف، والتناقض أو التعارض بين الأفراد، والجماعات، والفئات، والطبقات، والأحزاب، والنقابات الخ. فلا هوية بلا اختلاف كما يقول إلياس مرقص : "إذا ما ألغينا الأفراد وأكدنا الهوية لن يكون لدينا أي تطور، ولن يكون لدينا سوى " جوهر " وهمي للأمة، عندئذ لا نكون إزاء مسألة الهوية، بل بالأحرى إزاء عقدة الهوية، والفرق كبير إلـى ما لا نهاية بين الهوية وعقدة الهوية، الهوية ذاتية وحقيقية، ثقة بالذات، استقلال فعلي، حرية، حرية للإنسان فرداً ومجتمعاً وأمة".

ثانيًا- القطيعة مع الليبرالية 

على الرغم من ولادة الحركات القومية في تونس في المناخ الليبرالي، إلا أنها قطعت مع الليبرالية منهجاً ورؤية سياسية. فالليبرالية تركز على الفرد – الذات الواعية – باعتباره أصل المجتمع المدني، وعلى الملكية الخاصة، بوصفها هي " وحدها ما يجعل البشر أهلاً للحقوق السياسية "، وعلى الحرية الإيجابية التي تفتح عادة الأبواب للمشاركة السياسية للمجتمع المدني، والمرتبطة بهذا المعنى منطقياً على الأقل بالديمقراطية. وإذا كانت الليبرالية حركة أوروبية، غربية، أي أوروبية غربية المنشأ والمركز، فإنها تعتبر خيراً كبيراً، بالمقارنة، مع ما سبقها أو ما دونها. كذلك الرأسمالية التي تعتبر شراً كبيراً بالمقارنة مع الاشتراكية هي خير كبير بالمقارنة مع الإقطاعية .

وكانت الحركة الوطنية العربية في عصر النهضة العربية الأولى قد ولدت في ظل الليبرالية، باعتبار أن هذه الأخيرة كانت تمثل على الصعيدين الطبقي والاجتماعي حركة سياسية تاريخية هي حركة حزب الطبقة الوسطى الميسورة، التي تحتوي في سيرورتها الطبقية على عدة فئات متنوعة. وعلى الصعيد السياسي العربي يقول إلياس مرقص بأن الليبرالية هي اعتراف بنخبة طبقة وسطى، برجوازية، بمثقفين وأحزاب، بدائرة حديثة من مجتمعنا أي شكل من أشكال "شعب الله المختار " حديث و إيديولوجي. أما الديمقراطية فهي موقف اعتراف بالكائن والواقع، بذات الواقع والتاريخ، موقف اعتراف بالبشرية الأمية صانعة التاريخ. فالديمقراطية هي اعتراف بجماهير هذه الأمة العربية، وهي كتلة كبيرة مهملة ويجب أن تتحول إلـى ذات تاريخية سياسية فاعلة .

 

 

المشروع القومي الديمقراطي هو الحركة التي يتعين بها موقع الأمة العربية في التاريخ وفي العالم، والتي يعاد فيها إنتاج الوجود الاجتماعي ـ السياسي للأمة وتتحدد هويتها القومية بما هي هوية النمو والتغير، هوية التعدد والاختلاف والتعارض.

 

وعلى الرغم من هذا التزاوج بين الليبرالية و الديمقراطية، على صعيد المثل والقيم في إطار ارتباطها بنشوء وتطور الرأسمالية ضمن سيرورتها التاريخية، إلا أن التعارض يبقى على قوته الأزلية. لأن الليبرالية اتخذت في سيرورة تطورها وارتقائها خطين متعارضين أو منفصلين. أحدهما يرقى باتجاه الديمقراطية والديالكتيك، والحال هذه يمكن أن نقول الديمقراطية في التاريخ تمثل التخطي الديالكتيكي لليبرالية. وثانيهما ينسجم مع الوثنية الرأسمالية و الإمبريالية، وتتبناه التيارات اللاعقلانية والظلامية والفاشية، والبربرية الأميركية أشد صورها قتامة وفظاظة .

وهكذا فالحركات القومية التي قطعت مع الليبرالية، لم تتبن بالمقابل الديمقراطية والدياكتيك. وظل الفكر القومي العربي على اختلاف تياراته وتلاوينه منذ عصر النهضة العربية الثانية والى يومنا هذا في عصر الهزيمة العربية الراهنة يعيش في الوضعانية، ولم يجسد قطيعة منهجية ومعرفية مع المذهب الوضعي الإيجابي والانكلوساكسوني، الذي يُنَظِرُ للانتصار التاريخي والنهائي لليبرالية الأمريكية المتوحشة، والعولمة الرأسمالية الجديدة، والدولة التسلطية العربية، والتسوية مع العدو الصهيوني .

ثالثاً- عدم إنجاز الثورة الديمقراطية 

لم تحتل مسألة الديمقراطية الحيز الكبير في الخطاب السياسي للحركات القومية العاملة في العالم العربي، وفي رؤيتها ما ينبغي أن تكون عليه الأمة العربية، وفصلت ما بين الاستقلال والهوية القومية من جهة، والديمقراطية من جهة أخرى. فبدت لها الديمقراطية جملة من الآليات الشكلية كالانتخابات، وشيء من حرية الصحافة المحدودة والمثلومة. ولم تع الحركات القومية أن المسألة القومية، مسألة الهوية ووعي الذات أي الوعي القومي، في وضع الأمة العربية التي تعاني من التأخر التاريخي، ومن التجزئة بوصفها محصلة هذا التأخر التاريخي للشعب العربي، والأوضاع الإمبريالية الناجمة عنه، وتعبيراً عن القانون الموضوعي لعمل الإمبريالية في العالم العربي، مرتبطة أشد الارتباط بإنجاز الثورة الديمقراطية، التي تختلف عن الثورات الديمقراطية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كما أنها تختلف عن ثورات الاتحاد السوفيتي والصين وفيتنام الخ. وهي تختلف عن الثورات الأوروبية، لأن الثورات الأوروبية قادتها البرجوازية الصاعدة، وارتبطت بظهور الرأسمالية وتطورها في مراكز النظام العالمي وأطرافه على حد سواء. والبرجوازية في عالمنا العربي ليست طبقة منتجة وبالتالي ليست طبقة قائدة، وجزء من عملية أو سيرورة العولمة الرأسمالية الجارية والمتسارعة، التي كانت تعني في الماضي أوربة العالم، وتعني اليوم في ظل نظام القطب الواحد أمركته، أي جعله أمريكياً من خلال عولمة الاقتصاد و السياسة و الثقافة والإعلام .

ولذلك، فإنَّ البرجوازية العربية التي ارتبطت مباشرة بالاستراتيجية الشاملة للإمبريالية والنظام الرأسمالي العالمي، وفق معادلات الجغرافيا السياسية الخاصة بكل قطر، لم تعتبر أن برنامج الثورة القومية الديمقراطية في تعارضاته المحكومة لقانون الوحدة ولدولة السوق القومية، هو برنامجها. فبنت الدولة القطرية المحكومة لقانون التجزئة والتبعية، والمتجاوبة مع التقسيم الإمبريالي للعمل كما أقرته اتفاقية سايكس بيكو، بين الإمبرياليات المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، حيث شكلت اتفاقية سايكس بيكو هذه ولا تزال الأساس الموضوعي الاجتماعي ـ الاقتصادي ـ السياسي للمأزق العربي الراهن، مأزق غياب الشروط المادية لدولة السوق القومية البرجوازية المدنية المعاصرة. وقد عمق هذا المأزق العربي وواكبه تأسيس الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية، ودخوله على خط تقسيم العمل الدولي الإمبريالي في المنطقة، ودوره كركيزة للإمبريالية المنتصرة ألا وهي الولايات المتحدة الأميركية. فالمشروع الصهيوني هو ثنائي التجزئة داخل معادلة التبعية والتأخر، وتحويل العرب إلـى كيانية وجغرافية لا حول لها ولا قوة داخل تاريخ العولمة الرأسمالية مباشرة، أو في البعد الإقليمي الصهيوني لهذا التاريخ. والمشروع الصهيوني فوق كل ذلك شكل ولا يزال الأساس الموضوعي الثاني للمأزق العربي الراهن .

وأخطر ما تعانيه الأمة العربية الآن هو تلازم عمليتي التهميش والتفتيت وتكاملهما اللذين هما من أبرز خصائص النظام الدولي الجديد، نظام الهيمنة الأميركية التامة، الذي قام، بعد أن حققت الولايات المتحدة الأميركية انتصاراً في حربها مثلثة الأبعاد على أوروبا الغربية، وعلى حركات التحرر القومي، وعلى المعسكر الاشتراكي .

وهكذا، فإن المشروع القومي العربي الذي هو خيار الأمة التاريخي الإستراتيجي، لم يتأسس على مفهوم الديمقراطية بكل منطوياتها المعرفية والفكرية و السياسية و الاجتماعية والاقتصادية، الديمقراطية هي التي تتبدى في احترام حقوق الإنسان والمواطن، وفي إنجاز تحرير الوطن كله من الاحتلال، وكل أشكال التبعية المباشرة وغير المباشرة، لأن الوطن العربي لا يستطيع أن يقرر مصيره دون الاستقلال الكامل والتحرر الشامل. والديمقراطية تعني أيضاً تصفية حدود التجزئة القطرية، حيث تقوم الإمبريالية الأمريكية وربيبتها الصهيونية بمحاولات حثيثة ومستمرة عبر المشروع الشرق أوسطي الجديد، والتطبيع، وتفجير الصراعات الطائفية والأثنية، إلـى تحويل التقسيم الكياني للأقطار العربية إلـى مشاريع أمم ـ كيانية أيضاً، في ظل هزيمة المشروع القومي العربي .

والديمقراطية التي هي شكل ممارسة الحرية في المجتمع المدني ودولة الحق والقانون، تقوم على أساس إقرار حق الأمة في الاستقلال والوحدة، والتقدم، بوصف الديمقراطية قوام الأمم الحديثة وشرط تقدمها الاقتصادي و الاجتماعي والحضاري، فمن دون ديمقراطية ليس ثمة أمة حديثة ولا وحدة قومية. لهذا السبب، فإن الحركات القومية التي اختزلت المشروع القومي العربي النهضوي في الأحزاب التي تتبنى إيديولوجية قومية أو مذهبا قومياً، وساوت بين المشروع القومي، والأحزاب القومية، لا سيما تلك التي وصلت إلـى سدة الحكم، ونظرت إلـى الاتجاهات الفكرية و الإيديولوجية والسياسية المختلفة: الإسلامية والماركسية والليبرالية التي تتجابه وتتقاطع في المجال السياسي و الثقافي للأمة على أنها ليست من الأمة، فكرست بذلك رؤية حصرية وشمولية واحدية سائدة في الحركة السياسية العربية، وادعت لنفسها احتكار حق تمثيل الأمة، والتحدث باسمها، كما يحتكر الإسلاميون مثلاً حق تمثيل الإسلام والتحدث باسمه، هذه الحركات منيت بهزيمة تاريخية عادلة، لأنها لم تكن ديمقراطية .

لقد حَمَّل الفكر القومي التقليدي الاستعمار ثم الإمبريالية و الصهيونية مسؤولية هزيمة المشروع القومي العربي. وهذا نصف الحقيقة، فالمتتبع لتاريخ الصراع في / وعلى المنطقة العربية يلحظ بسهولة معنى التركيز العربي الإمبريالي الصهيوني الدائم على ضرب الحلقات القومية، كلما فكرت في تحويل المشروع القومي إلـى واقع حي ( ضرب النهضة العربية الأولى في عهد محمد علي، والنهضة العربية الثانية في عهد عبد الناصر، وضرب سوريا والعراق، واستنزاف الجزائر). لكن النصف الثاني من الحقيقة يكمن في أن الحركات القومية لم تطرح المسألة القومية كجزء أساسي من الثورة القومية الديمقراطية المعادية للاستعمار و الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، ولهذا فقد أنتجت نموذج الدولة البوليسية القطرية، العاجزة بنيوياً عن توفير الحد الأدنى من شروط الثورة القومية الديمقراطية (التنمية، السوق القومي، الديمقراطية، استكمال السيادة القومية على الأرض القومية )، والتي أضحت مظهراً من مظاهر التكيف مع منطق التوسع الرأسمالي وشروط التبعية، أي مظهر من مظاهر نقص استقلال الأمة، واستلاب حريتها، وقدرتها على السيطرة وعلى مواردها وثرواتها ومقدارتها، والتي استمدت شرعيتها وحراكها الاجتماعي من الضرورات والاستحقاقات الخارجية، سواء في بعدها السوفياتي أو الأمريكي .

رابعاً- غياب التأصيل الفكري والثقافي 

من خلال قراءة الأدبيات والبيانات الصادرة عن هذه الحركات القومية ، فإنَّ هذه الأخيرة لم تعن بالمسألة الفكرية، لجهة إعادة تأصيل فكري لمفهوم القومية الحديثة، الذي لا يقتصر على التيار الفكري القائم على المذهب القومي، ولا على الأحزاب التي تتبنى إيديولوجية قومية، بقدر ما هو مفهوم يشمل مختلف الاتجاهات والتيارات والحركات السياسية التي تعمل في المجال الفكري ـ السياسي للأمة. فهذه الحركات القومية تفتقر إلـى المنهج النظري الديالكتيكي والرؤية التاريخية، التي تأخذ بعين الاعتبار مختلف المعطيات المتصلة بالسياق والمرحلة التاريخية للمسألة القومية، من أجل إعادة بناء وعي قومي ديمقراطي، وإعادة بناء الروابط المنطقية بين الفكر والأخلاق والسياسة وتحديد مجال كل منها ووظيفته الاجتماعية، وتعزيز الروح النقدية باعتبارها أخص خصائص الفكر، وقوام العقل النقدي الذي ينفي باستمرار والى ما لا نهاية. كما تجلى عدم إعادة الاعتبار للفكر النقدي في القطيعة التي جسدتها هذه الحركات القومية مع التراث النهضوي في القرن التاسع عشر (خير الدين التونسي على سبيل المثال)، والتفريط في منجزات التحديث الكولونيالي، حيث كان خطابها يشد إلـى المجتمع التقليدي مثل " أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة".

وبعد الاخفاقات التي عرفتها التجارب الوحدوية العربية، وما نتج عنها من سلبيات متكررة، وبعد هزيمة المشروع القومي العربي بشقيه الناصري و البعثي،عجزت الحركات القومية عن تبني الأطروحة القائلة بضرورة بلورة مفهوم الأمة العربية على أساس مقولتي المجتمع المدني ودولة الحق والقانون. فمفهوم الأمة لا ينفصل في الأساس والمبدأ عن مفهوم المجتمع المدني، باعتباره شكل التوسط بين الأمة التي تتجسد واقعياً وعيانياً على قاعدة التعدد والاختلاف والتعارض وبين الأفراد والجماعات والفئات والطبقات الاجتماعية، وبين الدولة القومية الديمقراطية التي تفسح في المجال لنمو سيرورة المجتمع المدني الحديث، الذي تتحقق فيه الهوية القومية مع حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، والتي تعبر سياسياً وحقوقياً عن الكل الاجتماعي، أي عن الشأن العام المشترك بين جميع المواطنين، وعن سيادة الشعب، وتتطابق هويتها مع هوية المجتمع، وتجسد خطاً عدائياً جذرياً للإمبريالية الأميركية و الكيان الصهيوني والرجعية العربية .

 

لقد حَمَّل الفكر القومي التقليدي الاستعمار ثم الإمبريالية و الصهيونية مسؤولية هزيمة المشروع القومي العربي. وهذا نصف الحقيقة، فالمتتبع لتاريخ الصراع في / وعلى المنطقة العربية يلحظ بسهولة معنى التركيز العربي الإمبريالي الصهيوني الدائم على ضرب الحلقات القومية، كلما فكرت في تحويل المشروع القومي إلـى واقع حي ( ضرب النهضة العربية الأولى في عهد محمد علي، والنهضة العربية الثانية في عهد عبد الناصر، وضرب سوريا والعراق، واستنزاف الجزائر).

 



الوعي القومي لدى الحركات القومية في العالم العربي ما زال متخلفاً، ولم يرتق بعد إلـى مستوى نقد الفكر القومي التقليدي، الذي يمتلك تصوراً ميتافيزيقياً للأمة، بوصفها جوهراً خالداً يتجلى في "دولة قومية" مصممة قبلياً (مسبقة الصنع)، وهو تصور مع تأويل محافظ ورجعي للفكرة الهيغلية، فكانت الدولة " القطرية " الحاضرة هي الشكل السياسي لوجود الأمة الغائبة. ولم تتمكن هذه الدولة القطرية التابعة والكمبرادورية، منذ قيامها حتى الآن من " خلق " الأمة، بل على العكس من ذلك نجحت في منع الأمة من إقامة وحدتها وبناء دولتها الديمقراطية، لأنه الدولة القطرية قامت، ولا تزال قائمة على أساس تغييب الشعب وتهميشه، وتحويلها إلـى سلطة غاشمة استبدادية منفصلة عن المجتمع ومسيطرة عليه، على حد قول جاد الكريم الجباعي .

وفضلاً عن ذلك، فقد كانت الحركات القومية العربية متخلفة عن الوعي بأهمية المسألة الاجتماعية وعمق ارتباطها بالمسألة الديمقراطية، وهونت من شأن هذه المسألة، وفصلت المسألة الديمقراطية عن المسألة الاجتماعية، والمسألة القومية، والوحدة العربية. ولم تع هذه الحركات القومية أن المسألة الديمقراطية تؤسس لحل تاريخي للمسألة الاجتماعية، وللوحدة العربية في آن معاً. ولم تدرك هذه الحركات القومية أيضاً أن التضحية بالمسالة الديمقراطية، والمسألة الاجتماعية في سبيل الوحدة العربية، هي تضحية بهن جميعاً .

والحال هذه، فإن الحركات القومية في العالم العربي إذا أرادت استخلاص العبر من تجارب الماضي، عليها أن تعي أن أطروحة الوحدة العربية التي لا مفر منها، بوصفها ضرورة وشرط تقدم الأمة العربية، لا يمكن لها أن تنجز وتتحقق واقعياً وعيانياً إلا في سياق الثورة الديمقراطية، التي لا تزال بكل منطوياتها الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية على جدول أعمال الأمة .

 

إقرأ أيضا: نقد تجارب الحركات القومية العربية السياسية والأيديولوجية (1من2)


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا