آخر الأخبار

الدرس الأهم من مسيرة الإعلام و "ردّ المقاومة".. وخيبة الأمل!

فراس أبو هلال الإثنين، 30 مايو 2022 10:29 ص بتوقيت غرينتش

كان يوم أمس/ الأحد يوما حزينا في القدس، وكان يوما لـ"خيبة الأمل" في كل الوطن العربي والإسلامي. ثمة ما يدعو للحزن بكل تأكيد، إذ أن الجريمة التي ارتكبها المستوطنون وجنود الاحتلال ممثلة بما يسمى "مسيرة الأعلام" غير مسبوقة بحسب المتابعين وتقديرات الخبراء بالشأن المقدسي، ولكن هل هناك حقيقة ما يدعو لخيبة الأمل؟

كان كثير من الفلسطينيين والعرب المتابعين للشأن الفلسطيني يتوقعون ردا كبيرا للمقاومة الفلسطينية إذا مضت حكومة الاحتلال بالسماح لمسيرة الأعلام. لم تأت هذه التوقعات من فراغ، بل إنها بنيت على تجربة العام الماضي التي شهدت حربا طاحنة بين الاحتلال -المتفوق عسكريا- وبين المقاومة بعد أن ردت الأخيرة على جرائم المستوطنين والجنود في القدس، كما أن التوقعات زادت بسبب تصريحات متتالية لقادة فصائل المقاومة أكدت أنها سترد على مسيرة الإعلام.

أدت التجربة التي رفعت من منسوب الحالة المعنوية للشعب الفلسطيني في أيار/ مايو 2021 إلى رفع توقعات قطاع كبير منه تجاه قدرة المقاومة، وأخطأ قادة الفصائل وخصوصا حماس بالمساهمة المباشرة في ذلك عبر تهديداتهم. يمكن لفصيل صغير أو غير مؤثر أن يطلق تصريحات دون أن يتوقع أن يحاسبه الناس عليها، أما عندما تكون أكبر فصيل في مقاومة شعب متعطش للكرامة ولأي نوع من الانتصارات فيجب أن تدرك أن لتصريحاتك معنى كبيرا، وأن الفشل في تنفيذها يمثل خسارة كبيرة.

أدت التجربة التي رفعت من منسوب الحالة المعنوية للشعب الفلسطيني في أيار/ مايو 2021 إلى رفع توقعات قطاع كبير منه تجاه قدرة المقاومة، وأخطأ قادة الفصائل وخصوصا حماس بالمساهمة المباشرة في ذلك عبر تهديداتهم


وعلى الرغم مما جرى وتأثيراته السلبية، إلا أن أي مقاومة لأي شعب محتل يجب أن تحسب ردودها، وأن تكون متأكدة من أن هذه الردود قادرة على تحقيق إنجازات تبررها الخسائر المتوقعة من مواجهة الاحتلال، وأن تكون تمتلك الرؤية لتحويل "مقاومة التحريك" إلى إنجاز سياسي مستدام، وهذا ما يأخذنا للدرس الأهم من أحداث الأمس!

لم تمر المسيرة الإجرامية بدون مقاومة كما يشاع بسبب عدم تدخل غزة كما حصل في أيار/ مايو 2021، بل إن الضفة الغربية والقدس اشتعلت أمس وتحولت لساحة مواجهات ونضال شعبي مستمر طوال اليوم. قاوم المقدسيون الاحتلال ومسيراته بالاعتكاف والتكبيرات والاعتصام في ساحات الأقصى، وواجه طفل مقدسي لا يعرف أحد اسمه مجموعة كبيرة من الجنود كما أظهرت الصور القادمة من الأقصى، ورفع الشيوخ والناس أحذيتهم في وجوه الغزاة، واشتبكت جماهير الضفة مع المحتل في كثير من نقاط تواجده، ومارس فلسطينيو الداخل احتجاجهم بما يتناسب مع ظروفهم الموضوعية.

هذه المقاومة الشعبية الشاملة هي الدرس الأهم من أحداث "مسيرة الأعلام" الإجرامية. لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يواجه الاحتلال بوسيلة واحدة، لأن هذا بالضبط ما يريده قادته. المقاومة من غزة لوحدها تعطي الاحتلال فرصة للاستفراد بها، وتمنحه القدرة على بناء قواعد اشتباك تلعب لمصلحته بسبب تفوقه العسكري الهائل


هذه المقاومة الشعبية الشاملة هي الدرس الأهم من أحداث "مسيرة الأعلام" الإجرامية. لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يواجه الاحتلال بوسيلة واحدة، لأن هذا بالضبط ما يريده قادته. المقاومة من غزة لوحدها تعطي الاحتلال فرصة للاستفراد بها، وتمنحه القدرة على بناء قواعد اشتباك تلعب لمصلحته بسبب تفوقه العسكري الهائل وقدرته على إيلام المقاومة من خلال زيادة الخسائر البشرية في صفوف المواطنين وهدم الأبراج والمنازل. والمقاومة من القدس وحدها تجعل الاحتلال مطلق اليدين بمحاصرة المعتكفين في الأقصى وساحات القدس وفي القيامة، وتمنحه القدرة في تهجير عائلات الشيخ جراح بدون ثمن. والمقاومة في الضفة وحدها غير مكلفة للاحتلال خصوصا في ظل وجود سلطة متماهية -بحكم عقدها المؤسس- مع الاحتلال.

لا يمكن للفلسطيني أن يواجه محتلا قويا ومدعوما من كل القوى الكبرى في العالم دون مواجهة ومقاومة شاملة، ولعل هذه الحقيقة هي سر الإبداع في حرب "سيف القدس" حين توحد الشعب الفلسطيني في كافة أنحاء أرضه التاريخية وقاوم الاحتلال -كل حسب ظرفه السياسي والجغرافي والموضوعي- وهو ما دفع الاحتلال ومؤيديه من صهاينة العالم للتحذير من أن ما جرى في هذه الحرب هو أخطر ما تعرضت له المستوطنة الصهيونية منذ تأسيسها على أنقاض نكبة فلسطين.

لا يمكن للفلسطيني أن يواجه محتلا قويا ومدعوما من كل القوى الكبرى في العالم دون مواجهة ومقاومة شاملة، ولعل هذه الحقيقة هي سر الإبداع في حرب "سيف القدس" حين توحد الشعب الفلسطيني في كافة أنحاء أرضه التاريخية وقاوم الاحتلال -كل حسب ظرفه السياسي والجغرافي والموضوعي-


على أن المقاومة في غزة لا يمكن أن تمثل دائما الحل الوحيد لخلق "لحظة المقاومة الشاملة" كما حصل في "سيف القدس" دائما، لأن فلسطينيي غزة لا يستطيعون دائما دفع الثمن الكبير للحرب، ولذلك فإن الحل الحقيقي هو بناء استراتيجية دائمة للمقاومة ببعدها الشامل.


أكثر ما يؤلم الاحتلال هو أن تجتمع مسيرات العودة من جديد على حدود غزة -دون أسلحة- وأن تترافق مع مظاهرات وفعاليات يومية في الضفة الغربية والقدس، وأن ترفدها أعمال احتجاج في الداخل الفلسطيني. لكن هذا لن يحصل بمجرد الأمنيات.

تحتاج استراتيجية "المقاومة الشاملة" لمتطلبات كثيرة وصعبة، وهذه بعض المتطلبات المرتجلة التي تحتاج لدراسة أعمق وأشمل:


- قيادة مقاومة قادرة على اتخاذ مثل هذا القرار وتحمل تبعاته، وخصوصا على صعيد الاشتباك اليومي مع الاحتلال في الضفة، وصادقة مع الشعب في شرح تداعياته.


- التخلي عن وهم الاتفاق بين فصائل المقاومة وبين حركة فتح تحت سقف سلطة أوسلو، والسعي بدلا من ذلك لمحاولة "سحب" حركة فتح لميدان المقاومة الشعبية الشاملة، وهو ما سيجعل السلطة ساقطة بفعل الأمر الواقع.


- وقف التركيز على المقاومة "كفعل حربي" فقط، والاهتمام بإقناع مواطني الضفة والقدس والداخل أن هناك قيادة مستعدة لتبني خيار المقاومة الشاملة ودعمهم في تنفيذه، بما في ذلك في الجانب الاقتصادي وفق الإمكانات المتاحة.

الاحتلال يحارب الشعب الفلسطيني في كل مكان وبكل وسيلة، ولا حل للفلسطيني إلا أن يقاومه بكل وسيلة وفي كل مكان، وهذا هو الدرس الذي أعطته لنا المقاومة الشعبية في الضفة والقدس في يوم "مسيرة الأعلام"


- وضع الحقائق بدون رتوش أمام الشعب الفلسطيني، بما في ذلك الثمن الكبير للمقاومة، ولكن مع توضيح النتائج الإيجابية المحتملة، دون تضخيم.


- خطة إعلامية شاملة للوصول للعالم، بالاستفادة من التأييد العالمي الأوسع للمقاومة الشعبية، وبالبناء على ما أنجزته حرب سيف القدس في هذا المجال.

باختصار، الاحتلال يحارب الشعب الفلسطيني في كل مكان وبكل وسيلة، ولا حل للفلسطيني إلا أن يقاومه بكل وسيلة وفي كل مكان، وهذا هو الدرس الذي أعطته لنا المقاومة الشعبية في الضفة والقدس في يوم "مسيرة الأعلام" الحزين!

 

twitter.com/FerasAbuHelal

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا