آخر الأخبار

الشاعر يوسف الخطيب.. "مجنون فلسطين" المتمسك بالثوابت

ياسر علي السبت، 23 أبريل 2022 10:41 ص بتوقيت غرينتش

أن تكون مجنوناً بحب من تهوى، فذلك يعني أنها بلغت درجة من الحب لا يرتقي إليها أحدٌ من "السياسيين" و"الواقعيين". إن الجنون أعلى درجات الحب، وآخر مراحل التضحية، وأعمق حالات الاندماج.. وهو إحدى حسنات غياب العقل في المراحل المصيرية.. ولولا بعض "المجانين" لانتهت القضية الفلسطينية في أول اجتماع لجامعة الدول العربية.

في المراحل الصعبة، عليك أن تجازف وتغامر، وتسير عكس التيار والمنطق، وتواجه القوى الكبرى من أجل تحقيق مبتغاك، ولو تطلّب ذلك أن تعيش في المغاور أو تضيع في الصحراء، أو تنتهي إلى أشلاء.

حين تكون مجنوناً، تغيب أنصاف الحلول، ويصبح مناط الجنون (فلسطين) هو معيار الحق والباطل، ومعيار الإخلاص والخيانة، ومعيار الاستقامة في النضال وردع المفرّطين.

فكيف إذا كان هذا "المجنون" شاعراً متمكناً، وكاتباً بارعاً، ومذيعاً مفوّهاً، مثل الشاعر يوسف الخطيب؟! وهو الذي سمّى نفسه "بمجنون فلسطين"! ليس تعصباً، ولكن لأنه رأى أن فلسطين جديرة بالعشق حتى الجنون، وجديرة بالإيمان بتحقيق العودة والتحرير.

قطعاً، ستصدر أشعاره معبّرةً عن هذا الجنون بالغضب من كل متخاذل ومتآمر. كما كانت حياته بشكل عام ضد هذا التخاذل. فقد أشهر غضبه في وجه القريب والبعيد، العربي وغير العربي، لأن فلسطين عنده هي المعيار الذي يقيس عليه كلَّ إنسان على هذه الأرض، وكلَّ أمر يواجهه في حياته. 

لذلك، فإن شاعرنا هو شاعر الغضب الفلسطيني، الذي ضاقت عليه بلاد العرب بعدما اقتلع من أرضه، فهو لا يعتقد أنه ضيف فيها، بل هو مواطن عربي في بلاد عربية يؤمن بوحدتها وواجبها تجاه تحرير فلسطين.

من هو الشاعر يوسف الخطيب؟

ولد في بلدة "دورا" القريبة من مدينة الخليل عام 1931، حين كانت فلسطين تشهد الانتفاضات المتتالية ضد الاستعمار البريطاني، الذي عمل على جلب الهجرات اليهودية إلى البلاد، واستمرت الانتفاضات تتراكم إلى أن اندلعت الثورة الكبرى عام 1936 واستمرّت إلى عام 1939.

كان ذلك في ذروة تألق رُوّاد النهضة الشعرية الثانية، الثلاثي (طوقان، عبد الرحيم محمود، أبو سلمى)، فشكّل على غير قصد مع هارون هاشم رشيد ومعين بسيسو ثلاثياً ثورياً سطع من مخيمات اللاجئين ومأساتهم، يدعو إلى الثورة والخلاص.

درس الخطيب الحقوق في جامعة دمشق وتخرّج منها عام 1955. وأصدر عدة مجموعات شعرية في تلك الفترة تتحدث عن الأمل والثورة والعودة والتحرير، ونشر الكثير من قصائده على صفحات مجلة "الآداب" البيروتية الشهيرة وغيرها من المجلات والصحف العربيّة. وفازت قصيدته "العيون الظِّماء للنور" بالجائزة الأولى في مسابقة مجلة "الآداب" التي نُظِّمت على مستوى الوطن العربي آنذاك.

كان حضوره راسخاً في الأوساط الأدبية الفلسطينية والعربية رغم أن الشعر في ذلك الوقت كان يشهد شخصيات كبيرة وتحولات أكبر، بين الكلاسيكي والتفعيلة والحر والحديث، فكان شعره خليطاً متناغماً الكلاسيكي والحديث.

اشتُهر بإبداعه في الإلقاء الإذاعي والمنبري، وقدرته المسرحية على الأداء، وعرفه الجمهور العربي أكثر من خلال الإذاعة والتلفزيون السوريين، كمذيع لامع يتمتع بشعبية، ثمّ كمدير عام الإذاعة والتلفزيون السوري في عام 1965.

عمل يوسف الخطيب في إذاعة القاهرة إبان الوحدة، ثم في إذاعة هولندا الدولية، وأسس دار فلسطين للنشر، التي كانت تصدر "المفكرة الفلسطينية" التي كانت توثّق أحداث فلسطين يومياً. كما أصدرت الدار له "ديوان الوطن المحتل" الذي قدّم فيه شعراء فلسطين في الداخل المحتل عام 48.

كان حازماً صارماً غاضباً حالماً بالمجد والعودة والتحرير والانتصار، وحين خُذلت أحلامُه لم يتراجع، بل ظلَ غاضباً من العرب وتخاذلهم، فكتب:
 
أَكادُ أؤمنُ من شكٍّ ومِن عَجَبٍ
هذي الملايينُ ليستْ أمةَ العَرَبِ

رفض الخطيب أطروحات التسوية منذ برنامج النقاط العشر 1974، ونشر قصيدةً رافضةً بعنوان "أوديب ملكاً على الضفّة والقطاع"! 

ومِن جميل مطالعه الشعرية الغاضبة: جوادُ مَن هذا الذي يَعدو بلا فارسه؟! التي تعيدنا إلى ديوان درويش بعده بأكثر من عقدين "لماذا تركت الحصان وحيداً؟"، ويحيلنا أيضاً إلى لوحات الفنانة تمام الأكحل التي استخدمت الجياد في مرحلة فنية كاملة من حياتها.

شارك الخطيب في أعمال الهيئة التأسيسية (لاتحاد الكتاب العرب) في سوريا، وأسهم في وضع نظامه الأساسي والداخلي. وفي عام 1968 اختير بإجماع القوى والفعاليات الوطنية الفلسطينية في ذلك الحين، عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني (عن المستقلين)، واحتفظ بموقعه هذا حتى وفاته. كما شارك في المؤتمر العام التأسيسي (لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين المنعقد في بيروت) وتم انتخابه لنيابة الأمانة العامة للاتحاد. وحاز على وسام القدس للآداب عام 1991.

وتوفي شاعرنا في دمشق عام حزيران (يونيو) 2011.

مؤلفاته الشعرية:

"العيون الظّماء للنور"، 1955. "عائدون"، 1959. "واحة الجحيم"، 1964. "مجنون فلسطين"، 1983. "رأيت الله في غزة"، 1988. "بالشام أهلي والهوى بغداد"، 1988.

مؤلفاته النثرية:

- "ديوان الوطن المحتل" يضم مجموعة من قصائد ودواوين شعراء فلسطين المحتلة عام 1948، تضمن دراسة بقلم الشاعر عن الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة.
- "عناصر هدامة"، مجموعة قصصية أصدرها عام 1964 عن المكتبة العصرية بلبنان.
- "مذبحة كفر قاسم"، سيناريو أدبي حرص على ترجمته إلى كل من الإنكليزية، الفرنسية، والألمانية.
- "المفكرة الفلسطينية"، يوثق أحداث ويوميات القضية الفلسطينية، بالاستناد إلى عدد من المراجع الهامة في هذه القضية، وقد دأب على إصدارها لمدة تسع سنوات (1967- 1976) بخمس لغات عالمية، هي العربية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية.

قصيدة العندليب المهاجر

أتُراك مثلي يا رفيقُ تمرُّ بالزمن
عبر الليالي السود والمحن
لا صاحب يرخي عليك غلالة الكفن

بي لهفة يا صاحبي مشبوبة بالنار
هل بعض أخبار تحدثها وأسرار
للظامئين على متاهة الوحشة العاري.
كيف الحقول تركتها في عرس آذار
ومتى لويت جناحك الزاهي عن الدار
عجباً.. تراك أتيتنا من غير تذكار

ماذا رحيلك أيها المتشرد الباكي
عن أرض غابات الخيال وفوحها الزاكي
أم أن مرج الزهر أصبح قفر أشواك
وتلوّنت أنهارها بنجيع سفاك
داري وفي عيني والشفتين نجواك
لا كنت نسل عروبتي إن كنت أنساك

قصيدة يوسف 

بَريئةٌ منكم فِلسطينُ التي تَذبـحُـونْ‏
ولَحْمُها باقٍ على أَنيابِكُمْ‏
يا أَيُّها الـتُـجارُ، والفُـجَّارُ، والآثِـمون‏
دَمُ الفدائيينَ في رِقابِكمْ‏
أَقولُها، جَهْرَ الرياحِ، وَلْـيَـكُنْ ما يكونْ‏
سَرقـتُـمُ الثورةَ في جِرابِكمْ‏

يا أُمراءَ الثورةِ المُـنَـعَّمهْ‏
أَأَنتمو طُلاَّبُ أَقصاها، وحُرَّاسُها‏
أَم الضِّباعُ حولَها مُلَمْلَمَهْ‏
مآذِنُ القدسِ، وما تَقَرَعُ أَجراسُها‏
تَلعنكُم أَكنافُها المُهَدَّمهْ!!‏
وأَنتمُ الباعَةُ، والشُّراةُ، والبِضاعهْ‏

أَرخصتُمُ الأرضَ، وسِعرَ الجِراحْ‏
وَخُـنـتُـمُ الثَّدْيَ الذي أَتْخَمَكُمْ رِضاعهْ‏
وَبِـعتُمُ الشيطانَ طُهْرَ الكِفاحْ‏
أنتم، مِن البَدء، اختلستمُ هذه الأَمانهْ‏
مَرَّغتمُ الثورةَ في مُستنقعِ المهَانهْ‏
طَعَنْتمُ ”انتفاضتينِ” خِنجرَ الخِيانهْ‏
والحُلْمُ، صارَ الحُكْمَ.. واحترفتمُ الكَهانهْ‏

 

 

*كاتب وشاعر فلسطيني


أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا