آخر الأخبار

العبث السياسي في مواجهة منعطف خطير

طارق الكحلاوي الجمعة، 17 يوليو 2020 01:36 م بتوقيت غرينتش

بعد مواجهة الحكومة الائتلافية في تونس لأكبر تهديد صحي كوني من عقود، ونجاحها فيه مقارنة بالعديد من الدول الأخرى، تقرر حركة النهضة أو الأصح شق منها، إطلاق النار على رئيس الحكومة، ووزراء الحكومة (ومنهم وزراؤها، وبعضهم نجح إلى حد كبير في مهامه، فقد أشرف وزيرها عبد اللطيف المكي على التحدي في المعركة الصحية)، وذلك قبل صدور تقارير الهيئات الرقابية التي التزمت في وقت سابق بانتظار صدورها قبل حسم الموقف تجاه "ملف الفخفاخ"، وتحديدا موضوع استغلال نفوذه لتتحصل إحدى شركاته على صفقة من الدولة. قررت التسريع في الأزمة في جلستين للشورى والمرور إلى سحب الثقة، ومن ثم وكما هو متوقع يقدم الفخفاخ استقالته حفاظا على حق الرئيس في المبادرة، وذلك يعكس عمق أزمة الثقة بين قيس سعيد وحركة النهضة.

يحدث كل هذا في سياق أزمة اقتصادية غير مسبوقة ستكون فيها نسبة النمو ناقص سبعة (-7) في المئة، وأزمة اجتماعية مرتقبة كلما اقتربنا من الخريف، وتقريبا مجلس نواب الشعب حيث تكمن السلطة الأصلية؛ يعيش حالة عطالة تقريبا يومية بسبب سعي الاستئصالية ربيبة الاستبداد عبير موسي وجماعتها لمنع المداولات والإشغال بإشاعة الفوضى.

النهضة اعتبرت أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد لا يتحمل تواصل رئيس حكومة عليه شبهة تضارب مصالح، في حين قضت أشهرا تدعو لتوسيع حزام الحكم لضم حزب تأسس على صورة رئيسه الذي تتعلق به تهم التهرب الضريبي وقضية أمن قومي جارية الآن في المحاكم!

النهضة لم تسحب الثقة لاعتبارات أخلاقية وعدم قدرتها على تحمل شبهة الفساد، بل فعلت سعيا لتحصين ائتلافها البرلماني الذي يحرس كرسي رئاسة البرلمان الذي يجلس عليه رئيسها، ونقل هذا الائتلاف البرلماني إلى قصبة الحكم. لكن الوضع أعقد كثيرا من الأماني، وأحيانا تكون المناورات في السياسة سبيلا لإضعاف الموقف الأصلي، والسياسة بالنتائج وليس بالمقدمات.

في الأسابيع الأخيرة كررت الأفكار التالية:

- العلاقة المتوترة بين الرئيس قيس سعيد وحركة النهضة، وخاصة رئيسها، لا تخدم أيا منهما.

- إن النهضة لم تفهم قيس سعيد أو تتعمد تجاهله وعدم فهمه، وكانت ردود النهضة على موقفه من الملف الليبي مثالا على ذلك..

المسألة الحقيقية تعود لأشهر مضت. ولحظة الصدام الفعلية، وسأقول إني شاهد على بعض ردهاتها غير المعلنة، كانت مرحلة اختيار قيس سعيد رئيس الحكومة، واعتقاد النهضة أنه سيقبل من تقدمه إليه مع نبيل القروي (فاضل عبد الكافي أو رضا بن مصباح) وأنه ما عليه إلا أن يقبل. كنت مع آخرين نقول للنهضة بأن الرجل ليس مكتب ضبط، وأن له تصورا وأن الحركة لا يمكن لها أن تملي عليه من فوق ما تريد..

تلك اللحظة وغيرها أسست لعلاقة تشوبها عدم الثقة وصورة الحزب المتكبر. ولم تفعل المناورة الأخيرة للنهضة، بتوظيفها للقاء فردي بين سعيد والغنوشي، لتعلن أنهما على نفس الخط بل وروجت عبر قواعدها أن قيس سعيد طلب من الفخفاخ الاستقالة وذلك قبل يوم من مجلس شوراها. وقامت بحملة إعلامية للترويج لكل ذلك ولبيان حمل نبرة تكبر وغرور واضحة، حيث أعلن انطلاق مشاورات حكومة لا تزال فيها ولم تسقط، كأن البلاد تتحرك على نبض النهضة، فيخرج قيس سعيد ويسقط كل شيء في الماء... ويكذّب حركة النهضة ويضعها في موقف محرج يذكرنا بمشهد تذكير قيس سعيد لراشد الغنوشي بالدستور في الصدام عند تشكيل حكومة الفخفاخ. اليوم الشيخ غائب، لكنه كان الحاضر الغائب.

قيس سعيد ليس شخصا مؤدلجا، ولا يُعرف عنه موقف استئصالي ضد الإسلام السياسي، حتى الآن، لكن من الواضح أن الهوة بينه وبين راشد الغنوشي وصلت إلى حد كبير. في الاجتماعات المغلقة (مثلا مجلس الأمن القومي) من الواضح أن قيس سعيد يستهدف بالرد دائما أي اعتراض أو تعليق من قبل راشد الغنوشي. أيضا الرئيس يصر على أن يرد علنا وبشكل واضح أو مستتر، وتبنى تدريجيا تكتيكا يعتبر أن توازن القوى مع النهضة هو مجال أساسي لمناوراته السياسية.

البعض لا يزال يستخف بالرجل ويحتقر قدرته على المبادرة السياسية، وهو الآن يتصدر وضع قوة استقطاب في مواجهة النهضة، بما يجعل عبير موسى مجرد قزم سياسي.

قلت سابقا إننا إزاء حلف يقوده قيس سعيد، ويوجد فيه اتحاد الشغل ورئيس الحكومة (المستقيل الآن) والكتلة الديمقراطية. لا يمكن فهم وتوقع مستقبل الحكومة القادمة بمعزل عن وضع هذا الحلف، وخاصة عن تصديه لتركيز النهضة على استهداف الحكومة.. وإن أهم عامل يجعل هذا الحلف يتواصل هو توجه النهضة لاستهداف الرئيس، وآخر مؤشرات ذلك إصرارها مع حلفائها لطرح "سحب الثقة" على جلسة عامة، في حين أن الرئيس قبل استقالة الفخفاخ، بما يعني تحدي حق الرئيس في استرجاع المبادرة. ويمكن أن ينتهي بنا هذا العبث إلى تكليف رئيسي حكومة.

وعمليا، فإن النهضة بالنتيجة بصدد انعزال متزايد، حيث يتناقص مجال أصدقائها ويتزايد مجال خصومها، إذ سيكون من الصعب خاصة بالنسبة للتيار وحركة الشعب العودة إلى حلف معها بعد تجربة الحكم القصيرة.

الانقسام عميق ولا يهدد فقط استقرار الحكومة بل أيضا استقرار الدولة. نحن منذ أشهر أشبه بوضع "تصعيد الحرب" (war escalation) للأسف.. لا يوجد في أغلب الحروب قرار واضح ومبدئي بالحرب. الحروب تحصل في أحيان كثيرة بتصعيد متبادل يهدف في الأصل إلى تحسين شروط التفاوض، لكن يحصل انفلات لم يكن في نية أحد وتحصل الحرب.. والحروب نادرا ما يوجد فيها رابحون، إذ الجميع سيدفع ثمنا ما.

لن يوجد منتصرون حتى لو أوهمت ماكينات الأحزاب قواعدها بغير ذلك. النتيجة صفر، وأكبر الخاسرين السياسة والأحزاب.

المبادرة عادت للرئيس، وهذه المرة من الممكن أن لا تكون حكومة سياسية. وفي كل الحالات إن لم يصوت البرلمان عليها فنحن إزاء إعادة الانتخابات، والجميع سيشرب العلقم حينها، بدرجات.

تحية لمجهود عدد من الوزراء منهم عبو والمكي ومرزوق ويعيش وزيتون. في يوم استقالة رئيس الحكومة مثلا غازي الشواشي جعل الدولة تتحكم في شركة أورانج، لتصبح أغلبية اسهمها مصادرة، وتفعيل قرار الدولة ضد مروان المبروك. بقيت جل الحكومات عاجزة عن حل الملف بسبب سطوة المبروك، وخضوع عدد من الأحزاب للوبيات المال والأعمال.

تركيز النهضة على استهداف ممثلة الاستبداد الاستئصالي لها ولرئيسها المترئس للبرلمان، وفي سياق تحصين كل ذلك الانتهاء إلى ضرب الاستقرار الحكومي، جعلها تخسر أصدقاء سابقين يتحولون تدريجيا إلى خصوم. وهو ما سيقوي فعلا عبير موسى وجماعتها الاستئصالية، وما تمثله إقليميا.

بعيدا عن الإنشاء، نقاط للتلخيص:

نقطة أولى: ربما لأن البعض لم يعرف بعد.. لكن من المهم أن يعلم الجميع أن الجميع يملك أوراق الردع.

نقطة ثانية: لا يوجد سيناريو رابح باستثناء استعادة المتعاطفين مع الاستبداد ربما.. نحن إزاء توازن دقيق للقوى يجعل النتيجة النهائية صفرا.

نقطة ثالثة: من سيخرج خاسرا بكل تأكيد الديمقراطية بل السياسة نفسها.. الأمل.. وبلا شك إضعاف القدرة على مواجهة أكبر أزمة اقتصادية في تاريخ تونس المعاصر.

twitter.com/t_kahlaoui

أخبار ذات صلة

العبث السياسي في مواجهة منعطف خطير 7/17/2020 1:36:16 PM بتوقيت غرينتش
أضف تعليقاً

اقرأ ايضا

خريف تطبيع دول الريع 9/18/2020 12:28:53 PM بتوقيت غرينتش