آخر الأخبار

عبد الناصر وثورة يوليو في ميزان التاريخ.. شهادة إعلامي 1من2

عبد القادر ياسين السبت، 04 يوليو 2020 01:40 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: "عبد الناصر وثورة يوليو فى ميزان التاريخ"
المؤلف: حلمي سلام
إعداد وتقديم: آمال حلمي سلام
الناشر: المكتبة الأكاديمية ـ القاهرة ـ 2018

يعتبر شهر تموز (يوليو) واحدا من أهم شهور السنة في مصر، لسبب بسيط، أنه شهد حدثين سياسيين بارزين، الأول كان في العام 1952، حين عمد الضباط الأحرار إلى إنهاء العهد الملكي والتأسيس للنظام الجمهوري، والثاني في العام 2013، حين عمد وزير الدفاع يومها عبد الفتاح السيسي إلى إيقاف المسار الديمقراطي.. وفي الحدثين استلم العسكر الحكم.

وفي الحدثين معا احتاج قادة المؤسسة العسكرية المصرية إلى التعاون مع واجهات ثقافية وإعلامية، قادرة على تحويل واقع القوة إلى فعل ثقافي وسياسي عبر أقلام ومؤسسات إعلامية رعتها وتحكمت فيها المؤسسة العسكرية ذاتها..

الكاتب والباحث الفلسطيني عبد القادر ياسين، اختار أن يعيد قراءة تجربة ثورة تموز (يوليو) 1952، من خلال تجربة واحد من الرموز الإعلامية، التي رافقت الثورة منذ بواكيرها الأولى، وارتبط بقادتها واشترك معهم في الحلم، ويتعلق الأمر بالكاتب والإعلامي حلمي سلام، الذي تقلب في مؤسسات إعلامية مختلفة قبل وبعد ثورة تموز (يوليو).

وفاء لوالدها    

أبت الإبنة إلا أن تُدلَّل على مدى وفائها لذكرى والدها، وإن على نحو متميِّز؛ فهي اختارت تقديم الكتاب الرئيسي لوالدها عن ثوار يوليو: "أنا وثوَّار يوليو"، وعززته الإبنة بكتب، ومقالات أخرى، لوالدها، الذي كان أحد أهم الصحفيين المصريين، الذين ارتبطوا، تاريخيًا، بثورة تموز/ يوليو، ولم يشاركه هذه الصفة، إلا إحسان عبد القدوس، وأحمد أبو الفتح، رئيس تحرير يومية "المصري". 

أما هيكل، فقد جاء اتصاله الأول بأي من أولئك الثوار، يوم 19 تموز/ يوليو 1952، حين أوفده رئيسه، مصطفى أمين، "ليُشمشم" عن أخبار حول تحرُّك في الجيش المصري ضد النظام الملكي، واختار أمين لهيكل اللواء محمد نجيب، الذي هزم أنصار الملك الفاروق في انتخابات "نادي الضباط"، قبل نحو ستة أشهر. 

وحين وصل عبد الناصر، هو وعبد الحكيم عامر إلى منزل نجيب، بحضور هيكل، اشتم الأخير بأن عبد الناصر هو رأس ذاك التحرُّك، فالتصق هيكل به، منذئذ وحتى آخر يوم في حياة عبد الناصر. وإذا لم تخُني الذاكرة، فإن سلام كان خير معبِّر عن ثورة تموز (يوليو)، وثوارها، على مدى عمله في الصحافة، قبل الثورة، وبعدها، وإن نال، "جزاء سنمار"، ربما لأن الثورة تأكل أبناءها.

قصة سلام مع الإعلام والعسكر

في مقدمتها، استعرضت المؤلفة حياة والدها، في عالم الكتابة، مقالات، وكتبًا، وجعلت من "أنا وثوار يوليو" موضوع هذا الكتاب.

عمل سلام في مجلات "دار الهلال"، قبل الثورة، حتى وصل إلى موقع مدير تحرير أسبوعية "المصور"، الصادرة عن هذه الدار، ثم ترأس تحريرها، قبل أن ينتقل إلى رئاسة تحرير مجلة "التحرير" نصف الشهرية، التي صدرت معبِّرة عن ثورة يوليو، لكنه غادرها، بعد خلاف مع الصاغ (الرائد) صلاح سالم، وزير الإرشاد القومي، العام 1954، وإن عاد سلام إلى دار "التحرير"، مرة أخرى، رئيسًا لمجلس إدارتها، ورئيسًا لتحرير جريدتها اليومية "الجمهورية"، صيف العام 1964؛ في سياق تحوُّلات جذرية، أجراها عبد الناصر في هيئات تحرير الدور الصحفية المصرية؛ وأقول جذرية، لأن عبد الناصر، نحّى، حينها، أولاد أمين (علي، ومصطفى) عن قمة "دار أخبار اليوم"، وهما المحسوبان على واشنطن، وسلَّم الرئيس المصري الدار لليساريين، وعلى رأسهم خالد محيي الدين، كما سلَّم رئاسة "مؤسسة روز اليوسف" للمستشار أحمد فؤاد، الذي عُرف بترؤسه تنظيم "حدتو" اليسارية في الجيش، بينما أعطى أحمد حمروش، أحد ثلاثة قادوا هذا التنظيم، رئاسة تحرير أسبوعية "روزاليوسف"، وحظي حسن فؤاد برئاسة تحرير أسبوعية "صباح الخير"، الصادرة عن المؤسسة نفسها، وكان فؤاد خرج، قبل بضعة أسابيع، من "معتقل الواحات"، مع مئات الشيوعيين، بعد أن قضوا خمس سنوات وبضعة أشهر، في اعتقال ليس له أي مبرر! 

ونقل عبد الناصر أحمد بهاء الدين، وكامل زهيري لترؤس إدارة ومجلات "دار الهلال"، وهما اليساريان، وإن لم ينضما إلى أي تنظيم شيوعي. بينما اختار عبد الناصر لمؤسسة التحرير رجلاً وطنيًا ومخلصًا، هو حلمي سلام، لرئاسة مجلس تحرير "التحرير"، ورئاسة تحرير يومية "الجمهورية"، وأغلب الظن أن عبد الناصر قد حسب سلام على عبد الحكيم عامر، وقد غدا الأخير قطبًا مزاحمًا لعبد الناصر، في ازدواج للسلطة، منذ انفصال سوريا عن مصر (28/9/1961)، وقد حُمِّل عامر وزر وقوع هذا الانفصال! بينما لطالما احتسب عبد الناصر وآخرون، سلام على اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمجلس قيادة ثورة يوليو (صيف 1952، خريف 1954)!

 

بعد حرب 1948 في فلسطين، أسهم سلام في تخصيب أرض مصر للثورة، بنشره مقالات، في أسبوعية "المصوَّر" عن الفساد، الذي تفشّى في مصر، وجيشها. وبكلمات سلام نفسه، فإن "جميع القنوات أفضت بهم (ضباط الثورة) إليَّ، مثلما أفضت بي إليهم"

 



تعرَّف سلام بعبد الناصر، العام 1949؛ وفي العام نفسه، تعرّف على عبد الحكيم عامر، وكمال الدين حسين، وفي السنة الثالثة، تواصل مع عبد اللطيف البغدادي، وحسن إبراهيم، وصلاح سالم، وفي العام 1952، تعرَّف سلًّام على محمد نجيب. وإن عادت علاقته بأنور السادات، إلى العام1947، عند محاكمة السادات بتهمة الاشتراك في قتل أمين عثمان، وزير المالية المصري السابق، في كانون الثاني/ يناير 1946.

أما ما جمع سلام بكل أولئك العسكريين، ومنذ ذلك الوقت المبكِّر، فتمثَّل في عمل سلام موظفًا مدنيًا في إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة، قبل أن يستقيل، ويتفرغ للعمل بالصحافة، العام 1944.(صـ17 ـ 18). 

وبعد حرب 1948 في فلسطين، أسهم سلام في تخصيب أرض مصر للثورة، بنشره مقالات، في أسبوعية "المصوَّر" عن الفساد، الذي تفشّى في مصر، وجيشها. وبكلمات سلام نفسه، فإن "جميع القنوات أفضت بهم (ضباط الثورة) إليَّ، مثلما أفضت بي إليهم" (صـ24). كما أشار في مقاله " فلنحنِ رؤوسنا لجيش مصر إجلالاً" إلى كل من عبد الناصر، وصلاح سالم، وكمال الدين حسين. ( المصوَّر، 22/9/1950). وبعد الثورة، دأب سلام على الالتقاء بعبد الناصر، كي يملي عليه الأخير "أسرار الثورة"، وهي التي جمعها، ونشرها في "المصوَّر"، أيضًا. وهنا استاء السادات منه، "لأن دوره غير موجود". (ص ـ32).

على أن هذا التأييد لثورة يوليو، لم يمنع سلام من تبصير قادتها بالسلبيات، التي بدأت تظهر، تباعًا، وتُنفر جماهير الشعب من الثورة. على أن ما ألقى ظلالاً "على علاقته بثوار يوليو... (ما وضعه) بين شقي الرحى"، خاصة حين انفجر الخلاف بين مجلس قيادة الثورة ورئيسه، محمد نجيب، الذي كنَّ له سلام احترامًا كبيرًا، منذ وقت مبكِّر. ويبدو أن بعض ثوار يوليو لم ترق له علاقة سلام بنجيب، فسارع صلاح سالم إلى مصارحة الأول بضرورة قطع علاقته بنجيب! (ص ـ 35).

لقد تعرًّض سلام، ومسيرته الصحافية لأكثر من ضربة، على يد سلطة يوليو؛ فبعد أن استقال من إدارة تحرير "المصور"، أواخر العام 1953، ترأس تحرير مجلة "التحرير"، التي حملت ترخيصًا باسم عبد الناصر، إلى أن أرسل له صلاح سالم، وزير الإرشاد القومي، حينها، لسلام نحو، ثلاثين صورة فوتوغرافية لسالم، طالبًا نشرها بالمجلة، فاكتفى سلام بتسع منها داخل المجلة، أما العاشرة، فاحتلت الغلاف؛ ما فجَّر غضب سالم على سلام، وقد وصل الأول "ذروة الافتنان بنفسه"، وعرض سالم أمر من خرج على تعليماته، طالبًا خروجه، مهدداً: "إما هو وإما سلام! فوقع اختيار عبد الناصر على الخيار الثاني، ومنح صاحبنا إجازة مفتوحة، إلى أن يهدأ صلاح سالم" (ص ـ 39 ـ 40). 

وإن نجح بغدادي في مصالحة سالم وسلام، بعد نحو ثمانية أشهر. وعاد سلام، ولكن رئيسًا لمجلة "الإذاعة"، بعد أن عرض سلام الأمر على عبد الناصر، وظل فيها حتى العام 1962، بينما كان حصل، قبل نحو عام، على "وسام الاستحقاق" من الطبقة الأولى، مع كل من إحسان عبد القدوس، وأحمد بهاء الدين، بعد أن كان هيكل سبقهم إلى هذا الوسام، بعام واحد. وبعد نحو عامين، جرى تعيين سلام على رأس مؤسسة "التحرير"، على النحو الذي بيَّنته. إلى أن خرج منها، بعد نحو عام، بمؤامرة دبّرها له هيكل، وهذه المرة، ظل سلام بعيدًا عن الصحافة، نحو واحد وعشرين عامًا. (ص ـ 44 ـ 48).

حين عدَّدت المؤلفة كتب والدها الراحل، لم تشر إلى أن كتابه "أيامه الأخيرة.. قصة ملك باع نفسه للشيطان" (1972)، قد جرت مصادرته، بعد أن اكتملت طباعته في دار "الهلال".

بعد أن تأكد من موقف السادات المعادي له، وقد أصبح الأول، رئيسًا لمصر، قبِل سلام ترؤس مجلة "الفجر" القَطرية (1972 ـ 1976).

حول إزاحة نجيب عن رئاسة "مجلس قيادة الثورة"، رأى سلام بأنه كان "محتمًا أن تُسفر المباراة، في النهاية "عن نتيجتها الطبيعية، وهي أن البقاء لابد أن يكون للأقوى، وكان عبد الناصر هو الذي بقى"، بينما وصف سلام محمد نجيب بأنه "الرجل الذي تصدى، وبكل البسالة، والوطنية، والشجاعة، لقيادة سفينة الثورة." أما عبد الناصر، فهو عند سلام "عقل الثورة، وصانعها، ورُبَّانها" (ًص ـ 62).

عاد سلام إلى نجيب، فسمى صداقة نجيب لبعض زملائه بـ "صداقة العيش والدم!" (ص ـ 64) وقد ساء سلام أن البعض "ظلم محمد نجيب، حيًا وميتًا" (ص ـ 85).

ظل سلام على وفائه للواء أحمد فؤاد صادق، قائد الحملة المصرية على فلسطين (1948)، إلى مدى بعيد، وقد تصدّى الأول لأستاذ تاريخ، هو محمود متولي، الذي زعم بأن ما جعل ثوار يوليو ينحُّون صادق من بين المرشحين لرئاسة الثورة، أنه عم ناريمان، زوجة الملك فاروق، الأمر البعيد تمامًا عن الصحة (ص ـ 88).

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا