آخر الأخبار

"فجر الضمير".. كتاب عن جذور القيم والأخلاق في مصر (2من2)

رباب يحيى الجمعة، 03 يوليو 2020 10:59 ص بتوقيت غرينتش

الكتاب: فجر الضمير
المؤلف: جيمس هنري برستد
ترجمة: سليم حسن
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة،القاهرة، 2020 

تواصل الباحثة المصرية رباب يحيى في الجزء الثاني وهو الأخير، من قراءتها لكتاب "فجر الضمير"، للمؤلف الأمريكي جيمس هنري برستيد، الذي احتل مكانة كبيرة بين المشتغلين بعلم المصريات؛ تسليط الضوء على تاريخ الأخلاق والقيم في مصر.

أهمية الكتاب، الذي تقدمه رباب في جزأين، تكمن في تركيزه على أهمية القيم في نشأة الحضارات وتماسك المجتمعات، بل إنه يذهب أكثر من ذلك حين يعتبر بأن مجتمعا بلا قيم هو بمنزلة مجتمع أجوف. 

قيمة الأسرة

ساد الاعتقاد بأن حق كل فرد في التحلي بالأخلاق الفاضلة، يمكن أن يقوم على أساس النهج والسلوك اللذين يعامل بهما أفراد أسرته، وهم والده ووالدته وإخوته وأخواته. وهذه الحقيقة تعتبر ذات قيمة بالغة ومكانة عظيمة في هذا البحث الجليل، وقد أكدها أحد أشراف رجال الوجه القبلي الذي كان يعيش في القرن السابع والعشرين قبل الميلاد، إذ قال في نقوش قبره بعد أن عدد لنا كثيرا من أعماله الطيبة؛ "إني لا أقول كذبا، لأني كنت إنسانا محبوبا من والده، ممدوحا من والدته، حسن السلوك مع أخيه، ودودا لأخته". 
 
كان البر بالوالدين من أهم الفضائل البارزة في عصر الأهرام، نجد ذلك مذكورا في النقوش القديمة مرارا وتكرارا في جبانات الأهرام، وكثيرا ما نرى الأشراف في عهد الأهرام، يجمعون كل صفاتهم الحسنة في العبارة الآتية: "كنت إنسانا محبوبا من والده، وممدوحا من أمه، محبوبا من إخوته وأخواته".

هذه العلاقات الأسرية الودودة، التي تنطق بها تلك النقوش، تعد كشفا ذا أهمية أساسية في تاريخ الأخلاق، ذلك لأن هذه الصورة، مضافا إليها النقوش المدونة فوق جدران القبور، مع حكم "بتاح"، تقدم لنا برهانا تاريخيا قاطعا على أن الإدراك الخُلقي نبتت جذوره من حياة الأسرة، ثم تطور هذا الإدراك ندريجيا حتى أخذ شكل قوة وازعة متزايدة تسيطر على سلوك الإنسان، وهو تطور يسير متجها نحو توطيد مكانة "الضمير"، حتى يصير قوة اجتماعية ذات نفوذ في حياة البشر أجمعين.

 

لا تكونن متكبرا بسبب معرفتك، فشاور الجاهل والعاقل، لأن نهاية العلم لا يمكن الوصول إليها، وليس هناك عالم بلغ في فنه حد الكمال

 



يدل على ذلك، كما يقول المؤلف في صفحة (130): "في الوقت الذي كان فيه مدى السلوك الحسن محصورا على الأرجح في أول الأمر، في دائرة الأسرة، فإن نطاقه قد أخذ يتسع حتى صار يشمل الجيرة، أو الطائفة قبل عصر الأهرام بزمن طويل، فمن ذلك أننا نجد أن أحد الموتى يقص علينا في نقوش قاعدة تمثال جنائزي له منصوب في قبره، وقد صور المثَّال بصورة ناطقة له كأنها هو: (لقد طلبت إلى المثَّال أن ينحت لي هذه التماثيل، وقد كان مرتاحا للأجر الذي دفعته إليه".

كما يقول مدير ضيعة يدعى "مِنى" في نقوش مأخوذة من مقبرته، التي من عهد الأسرة الرابعة (2900 ـ 2750 ق.م)، وموجودة الآن في متحف "جلبتوتيك" بمدينة ميونخ، ما يأتي: "أما فيما يخص كل رجل عمل هذا لي (أي ساهم في إقامة هذا القبر)، فإنه لم يكن قط غير مرتاح، سواء أكان صانعا أم حجارا، فإني قد أرضيته".

من الواضح هنا، أن كلا الرجلين أراد أن يعلن أنه حصل على معداته الجنائزية من طريق شريف، وأن كل من عمل في إعدادها قد تسلم أجره كاملا غير منقوص.

كذلك ترك لنا أحد حكام المقاطعات، ممن عاشوا في القرن السابع والعشرين قبل الميلاد، البيان التالي عن حياته الصالحة (كما أورده المؤلف في صفحة 130)، حيث يقول: "لقد أعطيت خبزا لكل الجائعين في جبل الثعبان (ضيعته)، وكسوت كل من كان عريانا فيها، وملأت الشواطئ بالماشية الكبيرة، وأراضيها المنخفضة بالماشية الصغيرة، وأشبعت كل ذئاب الجبل، وطيور السماء بلحوم الحيوان الصغير... ولم أظلم أحدا قط في ممتلكاته حتى يدعوه ذلك إلى أن يشكوني لإله مدينتي... ولقد كنت محسنا لأهل ضيعتي بما في حظائر ماشيتي، وفي مساكن صيادي الطيور، وإني لم أنطق كذبا، لأني كنت محبوبا من والده، ممدوحا من والدته، رفيع الأخلاق مع أخيه، ودودا لأخته".

معايير العلاقات الاجتماعية

ونجد مرارا وتكرارا، أن أولئك الناس القدماء، الذين مضى على انقضاء زمنهم نحو 4000 أو 5000 سنة، يؤكدون لنا براءتهم من عمل السوء، فيقص علينا رئيس أطباء الملك "سحورع" في منتصف القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد ما يأتي؛ "إني لم آتِ أي سوء قط ضد أي إنسان".

ويلاحظ "بريستد" أنه بعد ذلك العهد بقليل، نجد كاهنا يقول ذلك الكلام نفسه أيضا؛ "إني لم أرتكب أي عنف ضد أي إنسان". وبعد ذلك العهد بقرن أيضا نجد كذلك مدنيا رقيق الحال، قد أقام نصبا على واجهة قبره ليقرأه الأحياء، منقوشا عليه الخطاب التالي: "أنتم أيها الأحياء الذين على وجه الأرض، المارون بهذا القبر، جودوا بقربان جنازي مما عندكم، فيؤتى به إليًّ، لأني كنت إنسانا محبوبا من الناس، فلم أجلد قط في حفرة أي موظف منذ ولادتي، ولم أستول على متاع أي شخص قسرا، وكنت أفعل ما يرضي جميع الناس".

لا شك أن تدوين مثل تلك الأقوال في جبانات عصر الأهرام (أي منذ خمسة آلاف سنة)، لم يكن أمرا قليل الأهمية والجدوى، لأنه أقدم برهان على الشعور بالمسؤولية الأخلاقية عند قدماء المصريين، على أن الوازع الخُلقي لم يبق مقتصرا على علاقة الإنسان بأسرته وجيرانه، أو المجتمع الذي يعيش فيه فحسب، بل كان قد بدأ تأثيره يظهر في ذلك الزمان في الأوساط العليا من المجتمع البشري، حتى صار تأثيره يظهر في واجبات الحكومة نحو عامة الشعب، وتحتوي متون الأهرام على أدلة قاطعة لا تقبل الشك، على أن طلبات "العدالة" و"الحق"، كانت قوتهما أقوى من سلطة الملك نفسه، ونجد في القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد، أن أحد ألقاب الملك "وسركاف" الرسمية لقب "مقيم العدالة" (ماعت)، وتمدنا حكم الوزير "بتاح حتب" بأقدم نصوص موجودة في أدب العالم كله للتعبير عن السلوك المستقيم، فعندما شعر ذلك الوزير المسن بضعفه بسبب تقدمه في السن (110 سنة)، كما ذكر هو في مقدمة حكمه، طلب من الملك أن يسمح له بتعليم ابنه (أي ابن الوزير بتاح)، ليعده للقيام بأعباء الواجبات الحكومية حتى يكون مساعدا لوالده وخلفا له، وقد وافقه الملك على ذلك، وحينئذ قام الوزير الكبير بالنصح لابنه بألا يسيء استعمال الحكمة التي سيلقنه إياها، بل ينتهج سبيل التواضع، فيقول:

"لا تكونن متكبرا بسبب معرفتك، فشاور الجاهل والعاقل، لأن نهاية العلم لا يمكن الوصول إليها، وليس هناك عالم بلغ في فنه حد الكمال"، ثم يعقب ذلك ثلاث وأربعون فقرة، يخصص ثلثها (أي 14 فقرة من 43 فقرة)، في تأكيد حسن الذوق واستعمال الذهن الذي أطلق عليه كالمعتاد كلمة "القلب"، وأحسن الصفات القيمة التي يجب على الشاب أن يتحلى بها أن يكون قادرا على الإصغاء، فنجده يقول؛ "إن المستمع هو الذي يحبه الإله، أما الذي لا يستمع فإنه هو الذي يبغضه الإله، والعقل (القلب حسب النص الأصلي)، هو الذي يجعل صاحبه مستمعا أو غير مستمع، إن ثروة المرء العظيمة هي عقله". وبعض هذه النصائح يوصي بالتخلق بالحذر في حضرة العظماء، حتى إن بعضها تعرفنا آداب المائدة في حضرة الرئيس، فتقول: "خذ ما يقدم لك حينما يوضع أمامك دون أن تنظر إلى ما هو أمامه، ولا تصوّبن لحظات كثيرة إلى الرئيس (أي لا تحملق فيه)، وانظر بمحياك إلى أسفل إلى أن يحييك، وتكلم فقط بعد أن يرحب بك".

وقد خصص جزءا أكبر للحكمة الصائبة في تسيير أعمال الإنسان الرسمية، فمن ذلك قوله: "إذا كان رئيسك فيما مضى من أصل وضيع، فعليك أن تتجاهل وضاعته السابقة، واحترمه طبقا لما وصل إليه، لأن الثمرة لا تأتي عفوا... وتكلم فقط إذا كنت تعلم بأنك ستحل المعضلات، وإن الذي يتكلم في المجالس لفنان، وصناعة الكلام أصعب من أية حرفة أخرى، وعليك أن تقدم للأمير النصيحة التي تساعده، لأن قُوتك يتوقف على مزاجه، وبطن الرجل المحبوب تُملأ وظهره يُكسى تبعا لذلك، كن عميق القلب نزر الكلام". (ص 136).

الدافع البديهي لمثل تلك النصيحة، هو اتباع سياسة دنيوية مبنية على اليقظة والتفطن، ومن المدهش أنها لم تلوث بشيء يذكر من العقيدة الميكيافيلية (القائلة: فرق تسد، والغاية تبرر الوسيلة)، ومن الواضح أن ذلك السياسي المسن كان ذا نظرة خارقة في انتهاز الفرص المهمة لمصلحته، مع أنه في الوقت نفسه لم يحرم حاسة الإدراك بما هو أثمن من ذلك، وعلمه بتقلبات ظروف الحياة الإنسانية قد علًّمه التواضع، ولذلك قال ينصح ابنه: "إذا أصبحت عظيما بعد أن كنت صغير القدر، وصرت صاحب ثروة بعد أن كنت محتاجا... فلا تنسَيَّن كيف كانت حالك في الزمن الماضي، ولا تفخر بثروتك التي أتت إليك من الإله (أي الملك)، فإنك لست أفضل من أقرانك الذين حل بهم ذلك... اتبع لبًّك (أي روحك) مادمت حيا... إذا كنت حاكما فكن شفيقا حينما تسمع كلام المتظلم، ولا تسئ إليه قبل أن يغسل بطنه ويفرغ من قول ما قد جاء من أجله... وإنها لفضيلة يزدان بها القلب أن يستمع مشفقا".

 

"لا تّنس أن تّحكُم بالعدل، وأعطٍ كل ذي حق حقه... واعلم أن الخوف من الأمير يأتي من إقامته العدل... واعْلَم أنه جدير بالمّلك ألّا يميل إلى المُستكبر أكثر من المُستضعف... راعِ القانون الذي أُلقيَ على عَاتقك... "

 



كذلك، من خطاب التكليف الذي وجهه "أمنحوتب" المؤسس العظيم للدولة الوسطى المصرية، منذ أكثر من خمسة آلاف عام، إلى وزيره الأعظم "رئيس الوزراء" يدعوه إلى أن يقيم العدل ولا يستكبر على الضعيف، وأن قوة الحاكم في عدله، وليس في بطشه، يقول:

"لا تنس أن تحكُم بالعدل، وأعط كل ذي حق حقه... واعلم أن الخوف من الأمير يأتي من إقامته العدل... واعلم أنه جدير بالملك ألّا يميل إلى المُستكبر أكثر من المُستضعف... راعِ القانون الذي أُلقيَ على عاتقك... "

كانت هذه رسالة الفرعون المصري منذ آلاف السنين، لكل من يعتلي حكم مصر أو غير مصر، فالعدل هو ميزان الملك، في أي عصر أو أي مكان.
  
بشكل عام، يحتاج هذا الكتاب من القارئ لقدر من الصبر ودرجة من الاهتمام بالحضارة المصرية القديمة، فالمؤلف يقتبس فقرات مترجمة من الهيروغليفية، وينتقل من فكرة لأخرى، ومن عصر لآخر، بصورة سريعة من خلال عبارات مركبة، لكن في النهاية سيجد القارئ أنه قد حصل من "فجر الضمير" على قدر من المعرفة يستحق الجهد الذي بذله في القراءة، وسيشعر المصري بالكثير من الفخر، ستجعل عبارة الزعيم مصطفى كامل: "لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا"، ذات معنى وعلى درجة من الحقيقة.

ويبدو بأن الدكتور سليم حسن، قصد من وراء ترجمة هذا الكتاب الرائد، بعد نحو ربع قرن من صدوره، بأن يكون بمنزلة رسالة لمصر، والعرب، بل والعالم، إبان العدوان الثلاثي من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على مصر عام 1956، بأن تلك المواجهة أو الحرب التي يشنها الغرب عَلى مصر هي حرب ظالمة، عَلى شعب أعطى وصنع للدنيا وللإنسانية معنى الأخلاق، ومعنى ومغزى "الضمير".

 

إقرأ أيضا: "فجر الضمير".. وجذور القيم والأخلاق في مصر (1من2)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا