آخر الأخبار

"فجر الضمير".. وجذور القيم والأخلاق في مصر (1من2)

رباب يحيى الخميس، 02 يوليو 2020 03:09 م بتوقيت غرينتش

الكتاب: "فجر الضمير"
المؤلف: جيمس هنري برستد
ترجمة: سليم حسن
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة- القاهرة، 2020 

تعيد الباحثة المصرية رباب يحيى قراءة كتاب "فجر الضمير"، للمؤلف الأمريكي جيمس هنري برستيد، الذي احتل مكانة كبيرة بين المشتغلين بعلم المصريات؛ فهو أول متخصص فيه بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث استطاع أن يجذب الغرب للاهتمام بهذه الحقبة من تاريخ مصر.


أهمية الكتاب، الذي تقدمه رباب خصياصا لـ"عربي21"، في جزأين، تكمن في تركيزه على أهمية القيم في نشأة الحضارات وتماسك المجتمعات، بل إنه يذهب أكثر من ذلك حين يعتبر أن مجتمعا بلا قيم هو بمثابة مجتمع أجوف.. 

 

كتاب مرجعي في تاريخ الحضارة المصرية


أعظم ظاهرة أساسية حدثت في تقدم حياة الإنسان، هي ظهور عنصر "الأخلاق"، وهو تحول في حياة الإنسان، قد يكون من المفيد أن نعيد الإشادة بتلك القيم القديمة التي أصبحت في زوايا الإهمال، خاصة في هذا الوقت الذي أصبح فيه الجيل الحديث ينبذ الأخلاق الموروثة، ولكي نتمثل صورة حقة لقيمة الأخلاق الفاضلة وتأثيرها في الحياة الإنسانية يجب أن نجتهد في الكشف عن الطريقة التي وصل بها الإنسان للمرة الأولى إلى إدراك "الأخلاق" وتقدير قيمتها.

هذا الكتاب "فجر الضمير" لعالم الآثار الأمريكي المتخصص في المصريات جيمس هنري برستد (1865-1935م)، واحد من الكتب المرجعية "الكلاسيكية" الكبرى في تاريخ الحضارة المصرية القديمة منذ صدرت طبعته الأولى باللغة الإنجليزية عام 1933، وفي عام 1956 ـ إبان العدوان الثلاثي على مصر ـ قام الدكتور سليم حسن، عميد الأثريين المصريين والعرب، بترجمة الكتاب إلى العربية، والدكتور سليم حسن هو صاحب موسوعة "مصر القديمة" (في ثمانية عشر جزءًا)، و"الأدب المصرى القديم" (في جزئين)، وغيرها من الكتب والدراسات والترجمات التي لا غنى عنها لكل باحث أو مهتم بتاريخ مصر القديمة.

لا يقل ما قدَّمه برستد في هذا الكتاب، عمَّا قدَّمه شامبليون؛ فإذا كان الأخير قد فكَّ رموز اللغة المصرية القديمة، فإن برستد هو من أزاح الغبار من فوق الأحجار والمقابر والجماجم والبرديات لينهل من تاريخ وحضارة مصر. ورغم أن برستد له العديد من الأعمال؛ منها: "تاريخ مصر منذ أقدم العصور إلى العصر الفارسي" و"تطور الفكر والدين في مصر القديمة" و"تاريخ المصريين القدماء"، إلا أنه اشتهر بكتابه هذا "فجر الضمير" ـ آخر مؤلفاته قبل وفاته ـ  الذي كرسه لعرض مفصل لنظريته التي مفادها أن الحضارة المصرية القديمة هي المهد الأول للقيم والأخلاق، على ضوء ما استقاه من أبحاثه والحقائق الواردة في الوثائق التاريخية المكتشفة.

 

تدل المصادر التي وصلت إلينا، على أن الوازع الخُلقي قد شعر به المصريون الأقدمون قبل أن يوجد الشعور به في أي صقيع آخر، فإن أقدم بحث عُرف عن الحق والباطل في تاريخ الإنسان، عُثر عليه في ثنايا مسرحية (منفية)، تشيد بعظمة مدينة (منف) وسيادتها، ويرجع تاريخها إلى منتصف الألف الرابع قبل الميلاد

 



فحينما نلقي بنظرنا إلى الوراء في بداية وجود بني البشر، ينكشف لنا في الحال أن الإنسان في بداية حياته ظل نحو مليون سنة، يُصارع الطبيعة والوحوش والكوارث البيئية، بل ويقاتل الإنسان نفسه، ولم يُنتج سوى السلاح والبلطة والرُمح والسهم وكل آلات القتل، فكيف أصبح في وقت ما صاحب وازع أخلاقي؟ وكيف خضع في النهاية لهذا الوازع عندما أحس به وتلقى وحيه لأول مرة؟ وكيف ينهض من عالم خال من أي تصور للأخلاق إلى التمسك بالمُثُل الاجتماعية، ويتعلم أن يستمع باحترام إلى الأصوات الباطنة المنبعثة من قرارة نفسه؟، وكيف أنه رغم الفوائد الظاهرية الملموسة التي تفيدها الفتوح المادية ظهر الجيل الأول من الناس مدركين القيم الباطنة التي لا تُرى؟

الوثائق القديمة التي عثر عليها "برستد" تمدنا بالإجابة عن هذه الأسئلة، وتكشف لنا عن أصول مُثُلنا الوراثية في هذا الكتاب، مصحوبة بتعليقات وشروح من المترجم تجعلها سهلة الفهم، وهذه الوثائق تكشف لنا عن فجر الضمير ونشوء أقدم مثل للسلوك، وما نتج عن ذلك من ظهور عصر الأخلاق.

قسّم بريسد التاريخ الإنساني إلى مرحلتين: "مرحلة المادة"، وهي التي تمتد لحوالي مليون عام، حين كان الإنسان يصارع الطبيعة من أجل البقاء، ثم الإنتقال العظيم الذي بدأ بنهاية العصر المطير، وجفاف غابات شمال أفريقيا وتحولها لصحاري قاحلة، ثم هجرة الإنسان القديم واستقراره حول ذلك الشريان المائي (نهر النيل)، واكتشاف الزراعة وتكوُّن أول مجتمع إنساني، ومن ثم ظهور "مرحلة الأخلاق" التي تبلغ من العمر الآن حوالي 5000 عام.

رأى بريستد أن تكوين مصر الجغرافي، والمناخي، جعل منها معملاً مغلقاً، نمت فيه الأخلاق وتطورت، وسبق تطورها أي مكان آخر سواء على ضفاف الفرات أو أوروبا أو الشرق الأقصى وآسيا.

يستعرض الكتاب كيفية تطور الأخلاق وانتشار هذا التطور جغرافياً، بداية من أول نتاج حضاري قديم وصل إلينا كنقوش وكتابات جبانات النوبة، مرورا بظهور الآلهة القديمة، ونشأة فكرة الاعتقاد في الحياة بعد الموت، والعقيدة الشمسية والأوزيرية، وعصر بناء الأهرام، وانهيار المذهب المادي وتطور دور الآلهة في حياة البشر وانتشار السحر، وعقيدة التوحيد عند إخناتون، وسقوطها، وصولاً لعصر الأنبياء العبرانيين ـ بتعبير المؤلف.

حضارة بلا قيم هي بناء أجوف

على مدى صفحات الكتاب البالغة (412 صفحة)، نكتشف أن المصري القديم أدرك أن حضارة بلا قيم هي بناء أجوف، لا قيمة له، فكم من حضارات انهارت، وأصبحت نسيًا منسيًّا؛ لذا سعى إلى وضع مجموعة من القيم والمبادئ التي تحكم إطار حياته، تلك القيم التي سبقت "الوصايا العشر" بنحو ألف عام. وقد تجلى حرص المصري القديم على إبراز أهمية القيم في المظاهر الحياتية؛ فكان أهم ما في وصية الأب قبل وفاته تتحدث عن الجانب الأخلاقي، حيث نجد الكثير من الحكماء والفراعنة يوصون أبناءهم بالعدل والتقوى، كذلك كانوا يحرصون على توضيح خلود تلك القيم في عالم الموت، لذا؛ نحتوا على جدران مقابرهم رمز إلهة العدل "ماعت" ليتذكروا أن العمل باقٍ معهم.

يقول المؤلف في صفحة (43): "تدل المصادر التي وصلت إلينا، على أن الوازع الخُلقي قد شعر به المصريون الأقدمون قبل أن يوجد الشعور به في أي صقيع آخر، فإن أقدم بحث عُرف عن الحق والباطل في تاريخ الإنسان، عُثر عليه في ثنايا مسرحية (منفية)، تشيد بعظمة مدينة (منف) وسيادتها، ويرجع تاريخها إلى منتصف الألف الرابع قبل الميلاد".

وأضاف: "يدل شكل هذه المسرحية بداهة، على أنها بحث في أصول العالم، ما بين ديني وفلسفي، وهي من تأليف طائفة مفكرة من الكهنة في المعابد المصرية، غير أن موضوعها لم يتناول ما كانت عليه حياة الشعب المصري بأسره في ذلك الحين، وعلى ذلك يكون الشعور الأخلاقي قد انحدر تدريجياً من طبقة أشراف رجال البلاط الملكي وطائفة كهنة المعابد إلى أشراف رجال الأقاليم أولاً، ثم إلى عامة أفراد الشعب ثانياً". 

وتابع: "استعمل المصري القديم كلمة "قلب" لتدل على "العقل" أو "الفهم"، لأنه كان يعتقد أن القلب هو مركز الفهم، وصار الإله نفسه هو القلب الذي يفكر، واللسان الذي يتكلم، وذلك يلفت نظر "بريستد" فيقول: فهل بعد ذلك يمكننا أن نتعرف على الأساس التاريخي السحيق في القدم لعقيدة "الكلمة" في أيام العهد الجديد (الإنجيل)؟: "في البدء كانت الكلمة، وكانت الكلمة مع الله والكلمة كانت الله"، وهل نجد هنا صدى لتجارب إنسانية عتيقة على شاطئ النيل؟"

يقول بريستد في صفحة (124): "كان المصري في عصر الأهرام يشعر بوجود جو من الوازع الخُلقي يزعه، حتى أن متون الأهرام قد أظهرت لنا الآن ذلك الوازع مطلاً على ما قد مضى من تلك العصور التي لم تكن تعرف معنى للخطيئة والشجار بين أفراد تلك الجماعة الأولى، من طائفة الأبرياء الذين وُلدوا قبل أن يوج (الشجار)، و(الصوت)، و(السب)، و(النزاع)، أو (التشويه المروع)، الذي ارتكبه كل من (حور) و(ست) ضد الآخر ـ وذلك وفقاً للأسطورة، أن ست اقتلع عين حور من محجرها، أما حور فقد سلت خصيتي ست ـ على أن الاعتقاد بوجود عصر للمثال الأعلى، أو على الأقل بوجود عصر للعدالة والسلام، يجب أن نربط بينه وبين ذلك العصر الذي يشار إليه في متون الأهرام، بأنه العصر الذي قبل أن يظهر فيه الموت".

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا