آخر الأخبار

المُقتلعون

سمير عطالله الإثنين، 23 مايو 2022 05:41 ص بتوقيت غرينتش

عندما قامت الثورة الفلسطينية في الستينيات، كان بين أدبياتها استخدام عبارة «النازحين». كذلك كانت هناك ناحية قانونية تتضمنها عبارة النزوح، باعتبارها وصفاً لعمل مؤقت ينتهي بمجرد انتهاء ظروف النزوح.
أقرأ يومياً ما يرويه النازحون من أوكرانيا إلى بولندا المجاورة، وقد أصبح عددهم حتى الآن نحو خمسة ملايين امرأة وطفل وعجوز، وقد تركوا الرجال خلفهم يقاتلون. ومن قراءاتي توصلت إلى أن أفضل وصف لهؤلاء البشر هو المقتلعون. إنهم يُقتلعون من بيوتهم وأرضهم وديارهم، مثل اقتلاع الضرس من جذوره وشرايينه الصغيرة التي لا تُرى.


لا نعرف الكثير عن أصحاب هذه الأسماء. لكن حكاياتهم تذكرنا بالفلسطينيين، ثم اللبنانيين، والسوريين، والعراقيين، والليبيين، الذين اقتُلعوا من بيوتهم وأرضهم وأوصالهم، وطافوا يبحثون عن سقف ولقمة وكلمة طيبة. تقول إحدى الأوكرانيات: كنا نرى هذه المشاهد في السينما عن الحرب العالمية الثانية، ونعتقد أنها لا يمكن أن تتكرر، لكنها نعيدها بأنفسنا اليوم، وعلى نحو أكثر قسوة وهمجية. وتقول أخرى، وهي تحتضن طفلتها، «لم يعد في إمكاني تحمل سماع كلمة بالروسية».


تصور منزلاً في قرية بولندية: كان يتسع لخمسة أشخاص، والآن يضم مع اللاجئين 13 شخصاً. أهل البيت متضايقون وضيوفهم متضايقون بأنفسهم، والجميع لا يعرفون لماذا ومن أجل من يدفعون هذا الثمن، ولا لماذا على هذا الكم من البشر أن يُقتلعوا من حياتهم بسبب بوتين أو زيلينسكي أو أي مخلوق آخر.


إليك ما يحدث في ليبيا الآن حيث رفع العقيد شعاره الشهير «البيت لساكنه». حسناً. ولكن الدولة لمن؟ وأي مشهد هذا المشهد: حكومة شرعية بأكملها تنتقل من العاصمة إلى سرت، التي كان العقيد قد أنشأها لمثل هذه الحالات الطارئة، ولكن ليس إلى هذه الدرجة. هذا المشهد رآه العالم من قبل في الكونغو. وفي لبنان. حكومتان وعاصمتان ومن يدري ماذا يكون العدد غداً. ومن يجزم بأنه لن تقوم حكومة أخرى في طبرق. أو بنغازي.


أراد القذافي ليبيا مركزاً لإغراق أوروبا بفقراء أفريقيا، فإذا هي اليوم غارقة بفقرائها. وللمرة الأولى في تاريخها صار لها جاليات في الخارج مثل اللبنانيين والسوريين والعراقيين. ووقف اللبنانيون بالآلاف في عواصم العالم يقترعون ضد السلطة التي حولتهم، للمرة الأولى منذ مجاعة الحرب العالمية الأولى إلى لاجئين اقتصاديين.


شعوب بأكملها يقتلعها من أوطانها الحقد السياسي والتكبر العنصري ومشاعر التماسيح التي لا ترى ما يحل بالبشر. شعوب على الطرقات وعلى الحدود وفي الخيام وغرقى في الزوارق من طرابلس الغرب إلى طرابلس الشرق.

 

(الشرق الأوسط السعودية)

 

أخبار ذات صلة

الكويت: هل الحل في الحل؟ 6/24/2022 4:41:04 AM بتوقيت غرينتش
خطان متوازيان: روسيا وإيران 2/10/2022 5:31:26 AM بتوقيت غرينتش
لا شيء مضحكا يا جون 8/11/2021 6:38:51 AM بتوقيت غرينتش
باي باي كابل 7/14/2021 5:57:36 AM بتوقيت غرينتش
أضف تعليقاً

اقرأ ايضا

لحظة 1937 6/30/2022 3:29:07 AM بتوقيت غرينتش
عروس المنصورة وعرائس لبنان 6/29/2022 2:56:56 AM بتوقيت غرينتش
الكويت: هل الحل في الحل؟ 6/24/2022 4:41:04 AM بتوقيت غرينتش
قراءة فادحة للإنسان والتاريخ 5/5/2022 2:07:47 AM بتوقيت غرينتش
على غير أرضها 5/2/2022 2:14:30 AM بتوقيت غرينتش
مدن الإسلام: علامة القدس 4/29/2022 7:43:09 AM بتوقيت غرينتش
مدن الإسلام: كتاب الأسرار 4/6/2022 6:35:24 AM بتوقيت غرينتش