آخر الأخبار

الملك الظاهر أم سوبر مان؟

عربي21- عمر عبد العزيز الأربعاء، 16 سبتمبر 2020 09:18 ص بتوقيت غرينتش

"عاد كما كان طفلا
سيشاركني في سريري
وفي كسرة الخبز، والتبغ
لكنه لا يشاركني.. في المرارة".


راودتني هذه السطور الشعرية البديعة من قصيدة "الجنوبي" لأمل دنقل بينما أطالع "كشكول الرسام" للفنان المصري محيي الدين اللباد، الذي مرت عشر سنوات على رحيله في يوم 5 سبتمبر سنة 2010.

 

ولد اللباد يوم 25 مارس سنة 1940، لكنه واحد من الفنانين القلائل الذين استطاعوا أن يعودوا أطفالا دوما! اتخذ اللباد الطفولة رؤيةً شاملةً وأسلوبَ حياة. 

عمل مصمم جرافيك وصانع كتبٍ ورسام كاريكاتير ورساما للأطفال كما أنه مارس الكتابة الصحفية. وكان واعيا باستحالة الفصل بين هذه التداخلات كلها.

إذا أردنا تحديد ملامح فنية متماسكة لتجربة اللباد في الرسم، فربما يمكننا أن نقترح ملمحين أصيليْن: رؤية العالم بعينيْ طفل، والانحياز القوي للأصالة وما يتأسس على ذلك من البحث عن منظور محلي يرى به الفن التشكيلي في مجمله. على أن ذلك المنظور المحلي لم يكن مصريا فحسب، بل إن فيه مكونات فرعونية وعربية وإسلامية أيضا.

كانت نشأته بحي القلعة القاهري القديم، بجوار مسجد السلطان حسن، عاملا حاسما في تكوين منظوره. فمن ذا الذي يستطيع الإفلات من سطوة عمارة المسجد وزخارفه وجلال ثرياته، خاصة إذا كان طفلا موهوبا كاللباد؟ كما حرص على تنويع مصادر ثقافته البصرية والعامة، حتى إنه شُغف بتأمّل المخطوطات العربية القديمة، متأملا أطلس الشريف الإدريسي "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، ليخرج منه ببعض أفكارٍ وتأملاتٍ عرضها في "كشكول الرسام"، الذي سنتخذه مُتّكأً لتأمّل تجربته الاستثنائية في الرسم.


ولهذا الكتاب فرادةٌ خاصة. فهو عبارة عن صفحات حرة، يرسم فيها اللباد شيئا ما ويكتب عن ذكرياته عنه، وما استفاده منه. بذلك يضم الكتاب خلاصة لرؤيته للفن والحياة، وموجزا لتطوره الفني ونمو وعيه وموهبته. ليس بين صفحاته رابط إلا روح الفنان المتوثبة، المنحازة للطفولة والتراث انحيازا تاما.

كان اللباد ذا ذاكرة بصرية عجيبة. يكاد يسجّل في ذهنه ما تراه عيناه، ثم يفرز حصيلته تلك، ظافرا منها بأعاجيب لا تخطر على البال.

 

في إحدى لوحات كشكول الرسام، يرسم اللباد ورقة بنكنوت من فئة عشرة جنيهات، وهي ورقة مألوفة، رآها أكثر المصريين مرات كثيرة، لكنه يلتقط منها تفصيلة صغيرة، لم يفطن إليها أحد: جرة تمشي على قدمين، منزوية بين نقوش فرعونية متزاحمة، صغيرة. 

يفرح اللباد باكتشافه ويحتفي به احتفاء طفل بهدية مفاجئة. هكذا يجمع الكتاب دروساً مكثفة قصيرة للفنانين الشباب، عن أهمية التوقف عند التفاصيل، عبر رسومات مدهشة مدونا ملحوظاته بخط يدوي ذي حس طفولي يكمل فتنة الرسم المفعم بالدهشة.

في صفحات عديدة، يستعيد اللباد ذكريات طفولته؛ يرسمها ليحبسها بين دفتي الكتاب فلا تتبخر، ويشرحها بلغة لطيفة رائقة، فصيحة لكن تكاد تكون عامية من فرط بساطتها ورسم حروفها. مثلا يرسم نفسه سائق ترام، ويحكي كيف كان ذلك حلمه يوم كان طفلا ينبهر بالترام الهادر وسائقه المهيب في حيه القديم.

 

إذا اطلعنا على الرسمة، لم نكد نشك في أنّ مبدعها طفل، حتى ملامح اللباد في الرسمة، وهو رجل أصلع، مفعمة بالطفولة، مزينة بوردة كبيرة منحنية من يده إلى خارج إطار قمرة القيادة في الترام.

في لوحة أخرى يرسم طفلا مبتهجا بظل كبير لطائرة تحلق في السماء. يعبرُ الظلُّ الطفلَ المبهورَ. يستحضر اللباد ذكرى ذلك النهار القديم، حين اجتازه خيال الطائرة المسرعة في حقل جده.

 

ويبدو لي أنه تعمد كتابة كلمات تلك الصفحة مبسوطة، ممتدة الحروف، حتى تكاد تبدو بسطا وسجاجيد ملونة منسابة في فضاء الصفحة، التي يسيطر عليها ظل الطائرة المهيمن على الحقل الهادئ والطفل الذي يرفع ذراعيه كأنه يصطاد ذلك الظل المسافر.

ثم يريد اللباد أن يشرح بعض المفاهيم الفنية الخاصة بالرسم، فيفعل ذلك بما يتسق وطبيعته كطفل فنان، لا يحب التعقيد ولا الثرثرة، بل يقول كل شيء بخفة وبساطة.

 

يحكي عن ذكرى رسمه فرع أخضر ذي سبعة ورود، فيورد رسمته الأولى، التي يراها غير جميلة، ثم يرسمها مرة أخرى وفق ذوقه الآن، ويتركنا نتأمل الفرق.

بمجرد النظر البسيط نستوعب كثيرا من الدروس، منها أن نرسم اللوحة مفعمة بالمنحنيات والحركة، وليس الجمود والتصلب. تتناغم منحنيات الورود كأنها ترقص في اللوحة الثانية بينما نشعر أنها كانت ورودا من البلاستيك في اللوحة الأولى.

ثمة شيء ما يعوم في لوحات اللباد. شيء ما لا ندركه بوضوح، لكننا نحس بحضوره الدائري المنبثق مثل الدوائر على سطح بحر، مثلما تنداح ذكريات طفولتنا على سطح الذاكرة.

 

في رسمة الدجاجة، التي يستعيد بها اللباد "الفرخة العبيطة" التي كانت إحدى القصص المصورة التي لوّنت طفولته، نشعر أن اللباد يرى العالم دائريا دائما. تتراقص منحنيات جسد الدجاجة، وينداح ريشها ليرسم دوائر داخل جسدها أيضا.

 

اقرأ أيضا: عالم محمود الرّيماوي القصصي في كوكب تفّاح وأملاح

 

وبذكاء حاد، يرسم حرف النون في الكلمات المجاورة دائرة مكتملة ذات نقطة في المنتصف، بما يشبه عين الدجاجة أيضا.

 

فمثلما يلمح الأطفال التشابهات ويفاجئوننا بأن أنفنا يشبه كذا أو كذا من الصور الطازجة، يفاجئنا اللباد بلمحاته هذه.

على أن روحه "الطفلة" لا تتجسد في الذكريات فحسب، ففي إحدى لوحاته يرسم جدار بيت ريفي مفعم بالرسومات الجميلة، يتأمل الباب والشباك في الجدار، ويدعو القارئ للدخول منهما إلى عالم تلك اللوحة. كأيّ طفل، نسي وجود البيت الفيزيائي وانداح في دوامة الألوان الساحرة على الجدار.

ثمة ملمح آخر مهم في تجربة اللباد أشرت إليه بإيجاز، هو التوجه نحو الأصالة، والإيمان بناسه وتراثه. وفي ذلك يأتي لنا اللباد بالأعاجيب.

 

يتوقف مثلا عند توقيعات مؤلفي الكتب العربية القديمة؛ كيف يتواضعون ويصفون أنفسهم بكلمات مثل: "الفقير الحقير المعترف بالعجز والتقصير..." فيحذو حذوهم في توقيع كشكوله.

 

ويجرب أيضا أن يترك مساحة فارغة من الصفحة، مثلما كان نُسّاخ كتب تراثنا يفعلون، ليجد القارئ مساحة يكتب بها ملحوظاته.

 

لماذا قد يتأمل فنان معاصر مخطوطات القدماء؟ لأنه مؤمن بأن الإبداع البصري قد يكمن في أصغر تفصيلات الحياة، في الماضي مثل الحاضر.

يتحسر على ولع فناني الكتب المصورة العربية بتقليد رسومات سوبر مان وجراندايزر وغيرهما من أبطال الكتب المصورة الغربية.

 

أما هو فيختار رسم أبطال السير الشعبية القديمة كالملك الظاهر، الذي تجمعنا به مكونات بصرية كثيرة، سواء في زيه أو الحكايات التي نشأت على سماعها أجيال متتالية وغير ذلك.


في لوحة أخرى يلاحظ أن الفنانين الغربيين يرسمون أبطالهم من يسار اللوحة إلى يمينها لأن عيون قرائهم تسير من اليسار إلى اليمين، فينبه على أهمية رسم أبطالنا من اليمين إلى اليسار مثلما نقرأ جميعا.

 

ولأنه اقترف كتابة الشعر وإن لم يشتهر به، فهو لا يفوّت أن يختم لوحته بهذه الفكرة: "لم أفكر بعد في الطريقة التي نحلم بها، نحن العرب، في نومنا، لكنه لا بد أننا نحلم من اليمين إلى الشمال".

ثمة حالة غريبة من الحنين إلى الطفولة والتراث يبثها هذا الكشكول في روح المطلع عليه. وقد تُرجم إلى الفرنسية والألمانية والهولندية وفاز بجوائز عالمية في الرسم.

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا

محمود درويش.. سؤال الشعر وتأزم الواقع 9/15/2020 11:33:32 AM بتوقيت غرينتش