آخر الأخبار

متى سيزيل المغاربة تمثال رائد الاستعمار ليوطي؟

حسين مجدوبي الثلاثاء، 30 يونيو 2020 02:47 ص بتوقيت غرينتش

وسط الموجة التي يشهدها العالم بإعادة النظر في المفاهيم والرموز المتعلقة بالاستعمار والعبودية، التي تمتد إلى شخصيات كانت تحظى «باحترام» مصطنع في التاريخ، يستمر تمثال الماريشال ليوطي في واجهة القنصلية الفرنسية في الدار البيضاء منذ عقود، ما يجعلنا نتساءل، متى سنلتحق كمغاربة بركب مناهضة الماضي البغيض.


شكل مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد على يد شرطة مينيابوليس بتلك الطريقة البشعة المتمثلة في الجملة الشهيرة «لا أستطيع التنفس» خلال مايو الماضي، انتفاضة تعدت الولايات المتحدة إلى باقي العالم، خاصة الغربي منه. تجلت في إعادة النظر في الكثير من المفاهيم السياسية والفكرية، التي كان يجري القبول بها أو التساهل معها، أو كما كتبت الصحافية المغربية – الأمريكية فدوى مساط «الولايات المتحدة تقوم بعملية تعقيم وغسل تاريخها».


وأقدم المواطنون الأمريكيون على إزالة تماثيل لشخصيات تورطت في العبودية أو العنصرية ومنها، لرؤساء وضباط جيش كبار، يعودون إلى الحرب الأهلية، بل حتى مكتشف القارة الأمريكية كريستوفر كولومبس، وانتقل هذا إلى المجال الأكاديمي، حيث غيرت جامعة برنستون اسم كلية وودرو ويلسون إلى كلية العلوم السياسية، بسبب الماضي البشع لهذا الرئيس، الذي أيد العنصرية وكلوكلوس كلان التي كانت تغتال السود. ويوجد نقاش الآن بضرورة تغيير اسم مدينة واشنطن لأن جورج واشنطن، كان يمتلك عبيدا وتسميتها باسم فردريك دوغلاس، أحد المثقفين السود الذين نادوا بإلغاء العبودية.

 

وقامت بلجيكا هذه الأيام بسحب تماثيل الملك الأسبق ليوبولد الثاني، بسبب الجرائم التي ارتكبها في الكونغو الأفريقية، بقتل الملايين. وفي الوقت ذاته، تشهد معظم الدول ومنها فرنسا نقاشا قويا حول دور العديد من السياسيين والمفكرين، تمتد إلى شارل ديغول، حيث يطالب الفرنسيون الأفارقة اعتباره مجرم حرب، بسبب ما ارتكبه من جرائم في القارة السمرا،: وتعاطف العالم مع هذه المطالب وتبناها ومنها العالم العربي، لكن عدوى الفعل لم تنتقل بعد إلى الدول العربية، التي ترزح تحت ظلم الديكتاتوريات، حيث تماثيل وأسماء شوارع وساحات تحمل أسماء رؤساء وملوك تورطوا في نهب أموال شعوبهم، واغتيال العديد من أبناء الشعب. والمغاربة من الشعوب التي انضمت إلى التنديد بالماضي الاستعماري، والترحيب بالفكر الجديد بشأن مراجعته. ويبقى التناقض هو عدم الإقدام على مبادرات نوعية تعزز هذا الوعي.


في هذا الصدد، يعد المغرب، ربما من الدول القليلة في العالم، الذي يتساهل مع تمثال رائد الاستعمار الماريشال ليوطي، وسط القنصلية الفرنسية في الدار البيضاء، بعدما كان في السابق وسط هذه العاصمة الاقتصادية. ورغم عمليات التجميل التاريخي، التي يقوم بها «مثقفون ومؤرخون» لما يسمى تحديث ليوطي للمغرب، حيث كان أول «مقيم عام فرنسا» في هذا البلد بين سنتي 1912- 1925 باستثناء سنة واحدة تولى فيها منصب وزير الحرب، يعد الماريشال ليوطي شخصية استعمارية، قتل مئات الآلاف من المغاربة إبان العقد الثاني والثالث من القرن الماضي بمبرر «إرساء الأمن» بموجب اتفاقية الحماية المشؤومة.

 

عمليات نهب وسلب لممتلكات المواطنين، وعمليات قتل واغتصاب شاهدة على جرائمه، وهناك صور تذكارية استعمارية، كانت فرنسا تتغنى فيها بقطع رؤوس المقاومين المغاربة، وتبيعها في صور تذكارية (كارت بوستال). وكل مرة يبدأ فيه نقاش حول ليوطي تنبري أصوات تقوم بتجميل عمل رائد الاستعمار، وتدّعي أن وجود التمثال هو في فضاء مفتوح تابع للقنصلية الفرنسية في الدار البيضاء، وغير خاضع للسلطة المغربية. وتتناسى هذه الأصوات نقطتين أساسيتين وهما:


في المقام الأول، اتفاقية فيينا المنظمة للتمثيليات الدبلوماسية، تنص على ضرورة عدم تنظيم أو نشر التمثيلية لما قد يخدش ويمس ويسيء للشعور الوطني للدولة المضيفة. وعليه، تمثال الماريشال ليوطي، إساءة لذاكرة وتاريخ الشعب المغربي.


في المقام الثاني، هل تقبل فرنسا بقيام دولة بنصب تمثال لشخصية أساءت إلى التاريخ الفرنسي، في واجهة مقر تمثيلية لها بالعاصمة باريس، أو في قنصلية في مارسيليا أو ستراسبورغ؟ بطبيعة الحال سيكون الجواب بالنفي.


وطنيا، في ظل تخلي الدولة المغربية عن مطالبة فرنسا بإزالة تمثال رائد الاستعمار، الذي ارتكب جرائم ضد الإنسانية في المغرب، وصمتها، رغم أنه التمثال الوحيد الذي مازال قائما في مستعمرة سابقة لفرنسا، بينما باقي المستعمرات تخلصت من رموز الاستعمار، يمكن للمجتمع المدني القيام بمبادرة تطالب وزارة الخارجية الفرنسية، بإزالة هذا التمثال، وقد بدأ النقاش حول الموضوع منذ أسبوعين تقريبا. أخلاقيا، يجب على باريس عدم انتظار وقوع ضجة إعلامية وسياسية حول الموضوع، بل عليها، مسايرة للتطورات الحالية، بالإسراع بإزالة هذا التمثال، لاسيما وأن مسؤولين في الحكومة الفرنسية بدأوا يعتبرون الاستعمار الفرنسي عملا لم يحمل قط الإشعاع الحضاري، بل حمل القتل والاستغلال والاستعباد.

 

علاوة على ذلك، يعيش المجتمع الفرنسي نقاشا قويا في هذا الشأن. لا يمكن للمغرب تشكيل الاستثناء في تاريخ المستعمرات الفرنسية السابقة، لقد جاء الوقت لإزالة تمثال رائد الاستعمار الفرنسي في المغرب، فقد رحل مهزوما سنة 1925 على يد القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي، والخطوة المتبقية هي إزالة التمثال، ثم الاستعداد للنظر في كتابة التاريخ المملوء بالتزييف والمغالطات، وهذا موضوع آخر. إزالة التمثال هو تكريم لشهداء الوطن الذين ناهضوا الاستعمار.

(القدس العربي)

أخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

اقرأ ايضا

خرافة الميزانية العسكرية السعودية 11/5/2019 2:53:38 AM بتوقيت غرينتش
شباب المغرب… بانتظار زوارق الهجرة 9/25/2018 1:26:52 AM بتوقيت غرينتش